تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٦
الشّرْحُ:
هذا الفصل يشتمل على مباحث متعدِّدة : أولها : قوله : «ما وحَّدَهُ مَنْ كَيّفه» ، وهذا حقّ ؛ لأنّه إذا جعله مكيَّفا جعله ذا هيئة وشكل ، أو ذا لونٍ وضوء ، إلى غيرهما من أقسام الكَيْف ، ومتى كان كذلك كان جسما ولم يكن واحداً ؛ لأنّ كلّ جسم قابل للانقسام ، والواحد حقاً لا يقبل الانقسام ، فقد ثبت أنه ما وحّده مَنْ كيّفه . وثانيها : قوله : «ولا حقيقته أصاب مَنْ مثّله» ، وهذا حقّ ؛ لأنّه تعالى لا مثل له ، وقد دلّت الأدلّة الكلاميّة والحُكْميّة على ذلك ، فَمنْ أثبت له مثلاً ، فإنه لم يصب حقيقته تعالى ، والسَّجعة الأُخرى تعطي هذا المعنى أيضا من غير زيادة عليه ، وهي قوله عليه السلام : «ولا إيّاه عَنَى مَنْ شبّهه» ولهذا قال شيوخنا : إنّ المشبِّه لا يعرف اللّه ، ولا تتوجّه عباداتُه وصلواته إلى اللّه تعالى ؛ لأنّه يعبد شيئا يعتقده جسما ، أو يعتقده مشابها لبعض هذه الذوات المحدَثة ، والعبادة تنصرف إلى المعبود بالقصد ، فإذا قُصِد بها غيرُ اللّه تعالى لم يكن قد عبدَ اللّه سبحانه ولا عرفه ، وإنّما يتخيّل ويتوهّم أنه قد عرفه وعبده ، وليس الأمر كما تخيّل وتوهّم . وثالثها : قوله عليه السلام : «ولا صَمَده مَنْ أشار إليه» أي أثبته في جهة . الصَّمَد في اللغة العربيّة : السيّد . والصمَد أيضا الذي لا جوف له ، وصار التّصميد في الاصطلاح العرفيّ عبارة عن التنزيه ، والذي قال عليه السلام حقّ ؛ لأنّ مَنْ أشار إليه ـ أي أثبته في جهة ـ فإنه ما صَمَده ؛ لأنّه ما نزّهه عن الجهات ، بل حكم عليه بما هو من خواصّ الأجسام ، وكذلك مَنْ توهّمه سبحانه ، أي مَنْ تخَيّل له في نفسه صورة أو هيئة أو شكلاً ، فإنّه لم ينزهه عَمّا يجب تنزيهه عنه . ورابعها : قوله : «كلّ معروف بنفسه مصنوع» ، هذا الكلام يجب أن يتأوّل ، ويحمل على أنّ كلّ معروف بالمشاهدة والحسّ فهو مصنوع ، وذلك لأنّ البارئ سبحانه معروف من طريقين : إحداهما من أفعاله ، والأُخرى بنفسه ؛ وهي طريقة الحكماء الّذين بحثُوا في الوجود من حيث هو وجود ، فعلموا أنّه لابدّ من موجودٍ واجبِ الوجود ، فلم يستدلّوا عليه بأفعاله ، بل أخرج لهم البحث في الوجود أنه لابدّ من ذات يستحيل عدمها من حيث هي هي . يريد عليه السلام بالفقرة الأُولى كلّ معروف بنفسه من طريق المشاهدة مستقلاً بذاته ، غير مفتقر في تقوّمه إلى غيره فهو مصنوع ، وهذا يختصّ بالأجسام خاصّة ، ولا يدخل الألوان وغيرها من الأعراض فيه ؛ لأنّها متقوّمة بمحالها .