تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٤٢
٤١٢
الأصْلُ:
.قال عليه السلام : وَقَدْ سُئِلَ عن معنى قولهم «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللّه ِ» : إِنَّا لاَ نَمْلِكُ مَعَ اللّه ِ شَيْئاً ، وَلاَ نَمْلِكُ إِلاَّ مَا مَلَّكَنَا ؛ فَمَتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا ، وَمَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا .
الشّرْحُ:
مَعنَى هذا الكلام أنّه عليه السلام جعل الحولَ عبارةً عن المِلْكية والتصرّف ، وجعل القوّة عبارةً عن التكليف ، كأنّه يقول : لا تَملُّك ولا تَصرُّف إلاّ باللّه ، ولا تكليف لأمرٍ من الأُمور إلاّ باللّه ؛ فنحن لا نَملِك مع اللّه شيئا ، أي لا نستقلّ بأن نَملِك شيئا ؛ لأنّه لولا إقدارُه إيّانا وخلقته لنا أحياءً لم نكن مالِكِين ولا متصرِّفين ، فإذا ملّكَنا شيئا هو أملك به ـ أي أقدَرُ عليه منّا ـ صرْنا مالكين له كالمال مثلاً حقيقة ، وكالعَقْل والجوارح والأعضاء مَجازا ، وحينئذٍ يكون مكلِّفا لنا أمرا يتعلّق بما ملّكَنا إيّاه ، نحو أن يكلّفنا الزّكاة عند تمليكنا المال ، ويكلّفنا النَّظَر عند تمليكنا العَقْل ، ويكلّفنا الجِهادَ والصّلاة والحجّ وغيرَ ذلك عند تمليكِنا الأعضاء والجوارح ، ومتى أخذ منّا المالَ وَضَع عنا تكليفَ الزّكاة ، ومتى أخَذَ العَقْل سَقَط تكليفُ النّظَر ، ومتى أخذَ الأعضاء والجوارح سَقَط تكليف الجِهاد وما يَجري مجراه . هذا هو تفسيرُ قوله عليه السلام ؛ فأمّا غيرُه فقد فسّره بشيء آخر ، قال أبو عبد اللّه جعفرُ بنُ محمد عليه السلام : فلا حَوْلَ على الطاعة ولا قوّةَ على تَرْك المعاصي إلاّ باللّه ؛ وقال قوم ـ وهم المجبرة ـ : لا فعل من الأفعال إلاّ وهو صادِرٌ مِن اللّه ، وليس في اللّفظ ما يدلّ على ما ادّعَوْا ؛ والأوْلى في تفسير هذه اللفظة أن تُحمَل على ظاِهرِها ، وذلك أنّ الحَوْل هو القوّة ، والقوّة هي الحَوْل كلاهما مُترادِفان ؛ ولا ريبَ أنّ القدرة من اللّه تعالى ، فهو الّذي أقدَر المؤمنَ على الإيمان ، والكافرَ على الكفر .