تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٤
قال : لو أمعنتَ النّظرَ لعلمتَ أنّ خالق النملة الحقيرَة هو خالق النّخلة الطويلة ؛ لأنّ كلّ شيء من الأشياء تفصيل جسمه وهيئته تفصيل دقيق ، واختلاف تلك الأجسام في أشكالها وألوانها ومقاديرها اختلافٌ غامض السبب ، فلا بدّ للكلّ من مدبّر يحكم بذلك الاختلاف ويفعله ، على حسب ما يعلمه من المصلحة . ثم قال : وما الجليل والدقيق في خلْقه إلاّ سواء ! لأنّه تعالى قادر لذاته ، لا يعجزه شيء من الممكنات . ثم قال : «فانظر إلى الشمس والقمر» إلى قوله : «والألسن المختلفات» ، هذا هو الاستدلال بإمكان الأعراض على ثبوت الصانع . ثم سفّه آراء المعطِّلة ، وقال : «إنهم لم يعتصموا بحجّة ، ولم يحقِّقوا ما وعوْه» ، أي لم يرتّبوا العلوم الضروريّة ترتيبا صحيحا يفضي بهم إلى النتيجة الّتي هي حقّ . ثم أخذ في الردّ عليهم من طريق أُخرى ، وهي دعوى الضَّرُورة ، وقد اعتمد عليها كثيرٌ من المتكلّمين ، فقال : نعلم ضرورة أنّ البناء لابدّ له من بانٍ . ثم قال : «والجناية لابدّ لها من جانٍ» ، وهذه كلمة ساقتْه إليها القرينة ، والمراد عموم الفعليّة لا خصوص الجناية ، أي مستحيل أن يكون الفعلُ من غير فاعل .
الأصْلُ:
.وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ ، إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ ، وَأَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ ، وَجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ ، وَفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ ، وَجَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ ، وَنَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ ، وَمِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ . يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ذَ بَّهَا وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ ، حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا ، وَتَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا . وَخَلْـقُهَا كُلُّهُ لاَ يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً . فَتَبَارَكَ اللّهُ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ «مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً» ، وَيُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَوَجْهاً ، وَيُلْقِى إِلَيْهِ بِالْطَّاعَةِ سِلْماً وَضَعْفاً ، وَيُعْطِى لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وَخَوْفاً ! فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ ؛ أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَالنَّفَسَ ، وَأَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَالْيَبَسِ ؛ وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهَا ، وَأَحْصَى أَجْنَاسَهَا ؛ فَهذَا غُرَابٌ وَهذَا عُقَابٌ ، وَهذَا