تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٧٢
٢٩٥
الأصْلُ:
.وقال عليه السلام : كَانَ لِي فِيَما مَضَى أَخٌ فِي اللّه ِ ، وَكَانَ يُعْظِّمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ . وَكَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ ، فَـلاَ يَتَشَهَّى مَا لاَ يَجِدُ ، وَلاَ يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ ، وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً ، فإِنْ قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ ، وَنَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ ، وَكَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً ! فَإِنْ جَاءَ الْجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ عَادٍ ، وَصِلُّ وَادٍ ، لاَ يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً ، وَكَانَ لاَ يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا يَجِدُ الْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اعْتِذَارَهُ ، وَكَانَ لاَ يَشْكُو وَجَعاً إِلاَّ عِنْدَ بُرْئِهِ ، وَكَانَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُ وَلاَ يَقُولُ مَا لاَ يَفْعَلُ ، وَكَانَ إِذَا غُلِبَ عَلَى الْكَـلاَمِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ ، وَكَانَ عَلَى اَنْ يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ ، وَكَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ يَنْظُرُ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْهَوَى فَخَالفَهُ ، فَعَلَيْكُمْ بِهذِهِ الْخَـلاَئِقِ فَالْزَمُوهَا ، وَتَنَافَسُوا فِيهَا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ الْقلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ [١] .
الشّرْحُ:
قد اختَلَف الناسُ في المعنيِّ بهذا الكلام ، ومَن هو هذا الأخُ المشار إليه؟ فقال قوم : هوَ رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، واستبْعَده قومٌ لقوله : «وكان ضعيفا مستضعفا» ، فإن النبي صلى الله عليه و آله وسلم لا يقال في صفاته مثل هذه الكلمة . وقال قومٌ : هو أبو ذَرٍّ الغِفارِيّ واستبعَدَه قومٌ لقوله : فإن جاء الجدّ فهو لَيث عادٍ ، وصِلُّ واد ، فإن أبا ذَرٍّ لم يكن من الموصوفين بالشّجاعة ، والمعروفين بالبَسالة . وقال قومٌ : هو المقدادُ بن عَمْرو المعروفُ بالمقداد بن الأسوَد ، وكان من شِيعة عليٍّ عليه السلام المخلِصين ، وكان شُجاعا مُجاهِدا حسنَ الطريق ، وقد ورد في فضلِه حديث صحيح
[١] بذّهم : سبقهم وغلبهم . نقع الغليل : أزال العطش . الليث : الأسد الصِلّ : الحية .