تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٦٢
الشّرْحُ:
لسنا نَشُكّ أنّه كان يَذهب في الأحكام الشرعيّة والقضايا إلى أشياءَ يُخالِف فيها أقوالَ الصّحابة ، وإنّما كان يَمنَعه من تغيُّر أحكام مَن تَقدَّمه اشتغالُه بحَرب البُغاة والخَوارج ، وإلى ذلك يشيرُ بالمَداحض الّتي كان يؤمِّل استواءَ قدمَيْه منها .
٢٧٩
الأصْلُ:
.اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اللّه َ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ - وَإِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ ، وَاشْتَدَّتْ طِلْبَتُهُ ، وَقَوِيَتْ مَكِيْدَتُهُ - أَكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ . وَالْعَارِفُ لِهذَا ، الْعَامِلُ بِهِ ، أَعْظَمُ النَّاس رَاحَةً فِي مَنْفَعَةٍ ، وَالتَّارِكُ لَهُ ، الشَّاكُّ فِيهِ أَعْظَمُ النَّاس شُغُلاً فِي مَضَرَّةٍ . وَرُبَّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالنُّعْمَى ، وَرُبَّ مُبْتَلىً مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى . فَزِدْ أَيُّهَا المستمع فِي شُكْرِكَ ، وَقَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ ، وَقِفْ عِنْدَ مُنْتَهَى رِزْقِكَ [١] .
الشّرْحُ:
قال بعضُ الحكماء : وجدتُ أطْوَل الناس غمّا الحَسود ، وأهنأهم عيْشا القَنُوع ، وأصبَرَهم على الأَذى الحريص ، وأخفضهم عَيْشاً أرفَضُهم للدنيا ، وأعظمَهم ندامةً العالمُ المفرّط . وقيل لبعض الحكماء : ما الغِنَى ؟ قال : قلّةُ تمَنِّيك ، ورِضاكَ بما يَكْفِيك . ولذلك قيل : العيشُ ساعات تمرّ ، وخُطوب تَكُرّ . وجاء في الخبر المرفوع : «أجْملوا في الطلب ، فإنه ليست لعبدٍ
[١] الذكر الحكيم : القرآن . والمراد منه : ليس للإنسان من الكرامة عند اللّه فوق ما نصّ عليه القرآن ولن يحول اللّه بين أحد وبين ما عُين في القرآن وإن اشتد طلب الأول ، وضعف حال الثاني . المستدرج : الذي يمدّ اللّه له بالنعمة ويمهله فلا يأخذه بالمعصية . المبتلى : الممتحن . مصنوع له : معتنى به .