تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٦٠
٢٧٦
الأصْلُ:
.وروي أنّهُ ذُكِر عندَ عُمر بن الخطاب في أيامه حَلْيُ الكعبةِ وكثرتُه ، فقال قومٌ : لو أخذتَهُ فجهَّزتَ به جيوشَ المسلمين ، كان أعظمَ للأجرِ ، وما تصنعُ الكعبةُ بالحَلْي ! فهمّ عمر بذلك ، وسأل عنه أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : إِنَّ هذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه و آله وسلم ، وَالْأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ ، أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِض ، وَالْفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ ، وَالْخُمُسُ فَوَضَعَهُ اللّه ُ حَيْثُ وَضَعَهُ ، وَالصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللّه ُ حَيْثُ جَعَلَهَا ، وَكَانَ حَلْيُ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ ، فَتَرَكَهُ اللّه ُ عَلَى حَالِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً ، وَلَمْ يَخْفَ عَنْهُ مَكَاناً ، فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللّه ُ وَرَسُولُهُ . فقال له عمر : لولاك لافتضحنا . وترك الحلي بحاله [١] .
الشّرْحُ:
هذا استدلال صحيح ، ويمكن أن يورد على وجهين : أحدهما أن يقال : أصلُ الأشياء الحظْر والتحريم كما هو مَذهَب كثيرٍ من أصحابنا البغداديّين ؛ فلا يجوز التصرّف في شيء من الأموال والمنافِع إلاّ بإذن شرعيّ ؛ ولم يوجَد إذن شَرْعي في حَلْي الكَعْبة ، فبقينا فيه على حُكْم الأصل . والوجه الثاني أن يقال : حَلْي الكعبة مال مختصّ بالكعبة ؛ هو جَارٍ مَجرى سُتور الكعْبة ، ومَجرَى باب الكَعْبة ، فكما لا يجوز التصرّف في ستُور الكعبة وبابها إلاّ بنصّ فكذلك حَلْي الكعبة ، والجامع بينهما الاختصاص الجاعلُ كلَّ واحد من ذلك كالجزء من الكعبة ، فعَلَى هذا الوجه يَنبغِي أن يكون الاستدلالُ .
[١] خلاصة دليل الإمام عليه السلام ، بأن مصدر الحلال والحرام ، هو كتاب اللّه وسنة نبيّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وسنة النبي هي قوله أو فعله أو تقريره . وحلي الكعبة وزينتها كانت على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم بمرأى منه وبمسمع ، لم يتصرّف به ، أو ينهى عنه ، فوجب إبقاؤه على ما كان .