تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٥٥
٢٦٨
الأصْلُ:
.وقيل : إن الحارث بن حَوْط أتى عليّا عليه السلام ، فقال لَهُ : أتراني أظنّ أنّ أصحاب الجمل كانوا على ضلالة؟ فقال عليه السلام : يَا حَارِثُ ، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ ، وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ ! إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ أهلَهُ ، وَلَمْ تَعَرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ [١] . فقال الحارث : فإني أعتزل مع سعد بن مالك [٢] وعبد اللّه بن عمر . فقال عليه السلام : إِنَّ سَعداً وَعَبْدَ اللّه ِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا الْحَقَّ ، وَلَمْ يَخْذُلاَ الْبَاطِلَ .
الشّرْحُ:
اللّفظة الّتي وردتْ قبلُ [٣] أحسَنُ من هذه اللفظة ، وهي أولئك قومٌ خَذَلوا الحقَّ ولم ينصرُوا الباطل ، وتلك كانت حالُهم ، فإنّهم خذلوا عليّا ولم يَنصُروا مُعاوِيَة ولا أصحابَ الجَمَل . ولما كان سعدٌ وعبدُ اللّه لم يَقُوما خَطِيبَين في النّاس يُعلِّمانهم باطلَ معاويةَ وأصحاب الجمل، ولم يَكشِفا اللَّبْس والشُّبْهة الداخلَة على الناس في حَرْب هذين الفَرِيقين ، ولم يُوضّحا وجوبَ طاعة عليٍّ عليه السلام فيردَّ الناسَ عن اتّباع صاحبِ الجَمَل وأهل الشام ، صدق عليهما
[١] حرت : من ( حار ) أي تحير . «نظرتَ تحتك» ، أي إنّك قاصر لا تنظر إلاّ موطئ قدميك ، وهذه شبهة دخلت على الحارث لبساطته ، فهو قد نظر إلى طلحة والزبير من خلال صحبتهما للنبي صلى الله عليه و آله وسلم ، ونظر الى عائشة من خلال حرمة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، فاعتقد أن الحق معهم . والحال أن الحق لا يعرف بالرجال ولا بالألقاب والأنساب ، وإنما يؤخذ من معدنه ومصدره من كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه و آله وسلم ، ومتى عرفت الحق من مصدره قست به المحقين والمبطلين . في ظلال نهج البلاغة / مغنية ٤:٤٧٦ .[٢] عنى به سعد بن أبي وقّاص ، وسعد هذا قد سكن البادية بعد مقتل عثمان ، وأمّا عبد اللّه بن عمر فإنه التجأ إلى أخته حفصة أم المؤمنين . وهما قد بايعا الإمام عليه السلام ولكنهما لم ينصراه ، ولم يخذلا الباطل المتمثل بأصحاب الجمل وصفين ، ولذا استحقا الملامة والذمّ .[٣] الحكمة برقم (١٣) ، وفي ١٨ : ١١٥ من الأصل .