تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٢٤
من أفعال القلوب لما عُوقب . ويمكن أن يُحمَل كلامُه عليه السلام على تَفسيرٍ آخرَ ، فيقال : إنّه عَنَى بقوله : إنّه كما كان ممّن يتّخذ آيات اللّه هُزُوا : أنّه يعتقد أنّها من عند اللّه ، ولكنّه لا يَعمَل بمُوجبها كما يَفعَله الآنَ كثيرٌ من الناس . قولُة عليه السلام : «التاط بقَلْبه» أي لَصِق . ولا يُغِبُّه ، أي لا يَأْخُذُه غِبّا ، بل يلازمه دائما ، وصَدَق عليه السلام فإنّ حُبّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئة ، وحبُّ الدنيا هو المُوجِب للهَمّ والغمّ والحِرْص والأمَل والخَوْف على ما اكتَسَبه أن ينفَد ، وللشُّحّ بما حَوَتْ يَدُهُ ، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة .
٢٢٥
الأصْلُ:
.كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً ، وَبِحُسْنِ الْخُلُقِ نَعِيماً .
الشّرْحُ:
قد تقدّم القولُ في هذين ، وهما القناعة وحُسْن الخُلُق . وكان يقال : يستحقّ الإنسانيّة مَنْ حَسُن خلقُه ، ويكاد السيءُ الخُلُق يُعَدّ من السِّباع . وقال بعضُ الحكماء : حدُّ القناعة هو الرّضا بما دون الكفاية ، والزّهد : الاقتصار على الزَّهيد ، أي القليل ، وهما مُتقارِبان ، وفي الأغلب إنما الزهد هو رَفْض الأُمور الدنيويّة مع القُدْرة عليها ؛ وأمّا القَناعة فهي إلزام النّفس الصبرَ عن المشتهَيَات الّتي لا يقدر عليها ، وكلّ زُهْد حَصَل لا عن قَناعةٍ فهو تزهّد ، وليس بزُهد ، وكذلك قال بعض الصُّوفيّة : القناعة أوّل الزُّهد ، تنبيها على أنّ الإنسان يحتاج أوّلاً إلى قدْع نفسه وتخصّصه بالقناعة ليَسهلُ عليه تَعاطِي الزّهد ، والقناعة الّتي هي الغنى بالحقيقة ، لأنّ الناسَ كلّهم فقراء من وجهين : أحدهُما : لافتقارِهم إلى اللّه تعالى كما قال : «يأيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللّه ِ واللّه ُ هُوَ