تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٠٤
الشّرْحُ:
معنى قوله سبحانه : «إنِ الحُكْمُ إلاّ للّه ِ» [١] ، أي إذا أراد شيئا من أفعالِ نفسه فلابدّ من وقوعه ، بخلاف غيره من القادرين بالقدرة فإنه لا يجب حصولُ مرادهم إذا أرادوه ، ألا ترى ما قَبْل هذه الكلمة : «يا بَنِيَّ لا تَدْخُلوا من بابٍ واحدٍ وادْخُلوا من أبوابٍ متفرِّقةٍ وماأُغنِي عَنْكم من اللّه ِ مِنْ شَيءٍ إن الحُكْمُ إلاّ للّه » خاف عليهم من الإصابة بالعين إذا دخلوا من بابٍ واحد ، فأمرهم أن يدخلوا من أبوابٍ متفرقة ، ثم قال لهم : «وما أُغنِي عنكم من اللّه من شيء» ، أي إذا أراد اللّه بكم سوءا لم يَدفع عنكم ذلك السُّوءَ ما أشرتُ به عليكم من التفرّق ؛ ثم قال : «إن الحُكْم إلاّ للّه » ، أي ليس حيٌّ من الأحياء يَنْفُذُ حكمه لا محالة ومرادُه لما هو من أفعاله إلاّ الحيّ القديم وحدَه ، فهذا هو معنى هذه الكلمة ، وضَلّت الخوارج عندها فأنكروا على أمير المؤمنين عليه السلام موافَقَته على التحكيم ؛ وقالوا : كيف يحكم وقد قال اللّه سبحانه : «إن الحُكْمُ إلاّ للّه » فغَلطوا لموضع اللّفظ المشترك ، وليس هذا الحُكم هو ذلك الحكْم ، فإذَنْ هي كلمةُ حقٍّ يرادُ بها باطل ؛ لأنّها حقٌّ على المفهوم الأوّل ، ويريد بها الخوارجُ نفيَ كلِّ ما يسمّى حكماً إذا صَدر عن غير اللّه تعالى ، وذلك باطل ؛ لأنّ اللّه تعالى قد أمضَى حُكم المخلوقين في كثيرٍ من الشرائع .
١٩٥
الأصْلُ:
.وقال عليه السلام في صفة الْغوغاء [٢] : هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا ، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا . وقيل : بل قال عليه السلام : هُمُ الّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا ، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا . فقيل : قد عرفنا مضرة اجتماعهم ، فما منفعة افتراقهم؟ فقال عليه السلام :
[١] سورة يوسف ٦٧ .[٢] ( الغوغاء ) وهم الناس المنحطّون ، والأوباش يجتمعون على غير ترتيب ، وهم يغلبون على ما اجتمعوا عليه ، ولكنّهم إذا تفرّقوا لا يعرفهم أحد لانحطاط درجة كل منهم وخمول ذكرهم ، وخفوت صوتهم .