تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٠٢
١٩١
الأصْلُ:
.وقال عليه السلام وقد مر بقذر على مزبلة : هذَا مَا بَخِلَ بِهِ الْبَاخِلُونَ . وفي خبر آخر أَنه قال : هذَا مَا كُنْتُمْ تَتَنَافَسُونَ فِيهِ بِالْأَمْس!
الشّرْحُ:
قد سبق القولُ في مثل هذا ، وهذا مثلُ قولهم : لو أفكَر الإنسان فيما يؤول إليه الطعام لعافَتْه نفسُه . وقد ضَرَب العلماءُ مَثلاً للدنيا ومخالفةِ آخرِها أولها ، ومضادّها مَباديها عَواقبها ، فقالوا : إنّ شهوات الدنيا في القَلب لذيذةٌ كشَهَوات الأطْعِمة في المعدة ، وسيَجِد الإنسان عند الموتِ لشهوات الدنيا في قلبه من الكَراهة والنَّتْن والقبْح ما يَجده للأطعمة اللّذيذة إذا طبختها المَعِدة وبلغتْ غايةَ نُضْجها ، وكما أن الطعام كلّما كان ألذَّ طَعْماً وأظهر حلاوة، كان رجيعه أقذر وأشدَّ نَتْنا ؛ فكذلك كلُّ شهوة في القلْب أشهى وألذّ وأقوى ، فإنّ نتنَها وكراهتها والتأذِّي بها عند الموت أشدّ ، بل هذه الحال في الدّنيا مُشاهدة ، فإن من نُهبتْ دارُه ، وأُخذ أهلُه وولدُه ومالُه ، تكون مصيبتهُ وألمه وتفجُّعه في الذي فَقَد بمقدار لذّته به ، وحبِّه له ، وحرصه عليه ، فكلُّ ما كان في الوجود أشهى وألذّ ، فهو عند الفَقْد أدهى وأمرّ ، ولا معنى للموت إلاّ فقد ما في الدنيا .
١٩٢
الأصْلُ:
.لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ [١] .
[١] اذا أحدث فيك ضياعُ المال بصيرةً وحذرا ، فما اكتسبته خيرٌ مما ضاع ؛ فكأنه لم يذهب من الأموال ما أثمر الوعظَ ، وما وفَني ما بقيت ثمراتُه .