تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٠١
الشّرْحُ:
قد تقدّم القوْل في هذا المعنى . والعِلّة في كون القلب يَعمَى إذا أُكرِه على ما لا يحبّه ، أنّ القلبَ عُضْو من الأعضاء يَتَعب ويستريح كما تتعب الجُثّة عند استعمالها وإحمالِها ، وتستريح عند تَرْك العَمَل ، كما يتعب اللّسان عند الكلام الطّويل ، ويستريحُ عند الإمساك ، وإذا تَواصَل إكراه القلبِ على أمرٍ لا يحبّه ولا يؤثِرُه تَعِب ، لأنّ فِعلَ غير المحبوبِ مُتعِب ؛ ألا ترى أنّ جِماعَ غيرِ الَمحْبوب يُحدِث من الضَّعف أضعافَ ما يُحدِثُهُ جِماعُ الَمحْبوب ؛ والرّكوب إلى مكان غيرِ محبوبٍ مُتعِب ولا يُشتَهى ، يُتعِب البَدَن أضعافَ ما يُتعِبه الركوب إلى تلك المسافة إذا كان المكان محبوبا ، وإذا أُتعِب القلب وأعْيـا ، عجَزَ عن إدراك مـا نكلّفه إدراكـه ، لأنّ فعلَه هو الإدراك ، وكلّ عضو يَتعَب فإنّه يَعجَز عن فعلِه الخاصِّ به ، فإذا عجز القلبُ عن فِعلِه الخاصِّ به وهو العِلم والإدراك ؛ فذاك هو عماه .
١٩٠
الأصْلُ:
.وكان عليه السلام يقول : مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ ! أَحِينَ أَعْجِزُ عَنِ الاِْنْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي : لَوْ صَبَرْتَ ! أَمْ حِينَ أَقْدِرُ ، عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي : لَوْ عَفَوْتَ!
الشّرْحُ:
هذا الفصل فصيحٌ لطيفُ المَعْنى ؛ قال : لا سبيل لي إلى شفاءِ غَيْظي عند غضبي ؛ لأنّي إمّا أن أكون قادرا على الانتقام فيصدَّني عن تعجيلِه قولُ القائل : لو غَفرتَ لكان أولى ! وإمّا ألاّ أكونَ قادرا على الانتقام فيصدّني عنه كوني غيرَ قادرٍ عليه ؛ فإذَنْ لا سبيلَ لي إلى الانتقام عند الغضب . وكان يقال : العقل كالمِرآة المجلوّة يُصْدِئه الغَضَب ، كما تَصْدَأ المرآة بالخَلّ ، فلا يَثبُت فيها صورةُ القُبْح والحُسْن .