تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٧٤
.وقال عليه السلام لرجل سأَله أَن يعظه: الْمَوْتَ ، وَلاَ يُبَادِرُ الْفَوْتَ ؛ يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِّرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ ، فَهُوَ عَلَى النَّاس طَاعِنٌ ، وَلِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ . اللَّغْوُ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاءِ ، يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ ، وَلاَ يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ ؛ يُرْشِدُ نَفْسَهُ وَيُغْوِي غَيْرَهُ ، فَهُوَ يُطَاعُ وَيَعْصِي ، وَيَسْتَوْفِي وَلا يُوفِي ، وَيَخْشَى الْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ ، وَلاَ يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ . قال الرضي رحمه الله : وَلَو لَمْ يَكْن في هذا الكتابِ إلاّ هذا الكلامُ لَكَفى به موعظةً ناجعةً ، وحكمةً بالغةً ، وبصيرةً لمبصرٍ ، وعبرةً لناظرٍ مفكِّرٍ .
الشّرْحُ:
كثير من الناس يَرْجون الآخرَة بغيرِ عَمَل ، ويقولون : رحمة اللّه واسِعة ؛ ومنهم من يَظُن أنّ التلفّظ بكلمتَي الشهادة كافٍ في دُخول الجنّة ، ومنهم من يسوِّف نفسَة بالتوبة ، ويرجِئُ الأوْقات من اليوم إلى غَد ، وقد يُخْتَرَم على غِرّة فيفوتُه ما كان أمّله ، وأكثرُ هذا الفصل للنّهي عن أن يقول [ يكون ]الإنسان واعظا لغيره ما لم يعلمْ هو من نفسِه ، كقوله تعالى : «أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرّ وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ » [١] . فأوّل كلمةٍ قالَها عليه السلام في هذا المعنى من هذا الفصل قولُه : «يقول في الدّنيا بقول الزّاهدين ، ويَعمَل فيها بعمل الراغبين» . ثم وَصَف صاحبَ هذا المذهب وهذه الطريقة فقال : إنّه إنْ أُعطِيَ من الدّنيا لم يَشبَع ؛ لأنّ الطبيعة البشريّة مجبولةٌ على حُبّ الازدياد ، وإنما يَقهَرها أهلُ التوفيق وأربابُ العَزْم القويّ . «وإن مُنِع منها لم يَقنَع» بما كان وَصَل إليه قبل المَنْع . ثم قال : يَعجَز عن شكرِ ما كان أنعَمَ به عليه ، ليس يعني العجزَ الحقيقيَّ ، بل المراد تَرْك الشّكر ، فسمَّى ترك الشكر عَجزا . ويجوز أن يُحمَل على حقيقته ، أي أنّ الشكر على ما أُولِي من النّعم لا تَنتهي قُدْرَته إليه ، أي نِعَم اللّه عليه أجلّ وأعظَم من أن يُقام بواجب شكرها .
[١] سورة البقرة ٤٤ .[٢] سورة العنكبوت ٦٥ .[٣] سورة الفجر ١٥ ، ١٦ .[٤] سورة الحجر ٥٥ ، وهي قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب ، وانظر تفسير القرطبي ١٠ : ٣٦ .[٥] الغُنْم : الغنيمة . الغرم : الغرامة . الفوت : فوات الفرصة وانقضاؤها . بادر : أسرع ، بادره : عاجله قبل أن يذهب . يرشد : يهدي . يغوي : يضلّ . يستوفي : يأخذ حقّه كاملاً . يوفي : اعطاه إياه تاماً .