تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٧٠
أحدهم : أهلُ الرّياء والسُّمْعة ؛ الذين يُظهِرون الدّين والعلم ومقصودُهم الدّنيا ، فيَجعَلون الناموس الدِّيني شَبَكة لاقتناص الدّنيا . وثانيها : قومٌ من أهل الخير والصّلاح ليسوا بذَوِي بَصيرة في الأُمور الإلهيّة الغامضة ، فيخاف من إفشاء السرّ إليهم أن تَنقدِح في قلوبهم شُبْهة بأدنَى خاطر ؛ فإنّ مَقَام المعرفة مَقَامٌ خَطِر صَعْب لا يَثبُت تحتَه إلاّ الأفرادُ من الرّجال ، الذين أُيِّدوا بالتّوفيق والعصمة . وثالثها : رجلٌ صاحبُ لَذَّات وَطَرب مشتهِر بقضاء الشّهوة ، فليس من رجالِ هذا الباب . ورابعُها : رجلٌ يجمَعْ المال وادّخارِه ، لا يُنفِقه في شَهَواته ولا في غيرِ شَهَواته ، فحكمُه حكمُ القِسْم الثالث . ثم قال عليه السلام : «كذلك يَمُوت العلمُ بموت حامِلِيه» ، أي إذا مِتُّ ماتَ العلمُ الذي في صدري ؛ لأني لم أجد أحدا أدفعُهُ إليه ، وأُوَرِّثُه إيّاه ، ثم استَدرك فقال : اللّهمّ بلى ، لا تخلو الأرضُ من قائمٍ بحجّة للّه تعالى ، كَيْلا يخلوَ الزمان ممّن هو مهيمِنٌ للّه تعالى على عبادِه ، ومسيطِرٌ عليهم ؛ وهذا يكاد يكونُ تصريحا بمَذهب الإماميّة ، إلاّ أنّ أصحابَنا يحملونه على أنّ المراد به الأبْدال الذين وردتْ الأخبارُ النبويّة عنهم أنّهم في الأرض سائحون ، فمنهم من يُعرَف ، ومنهم من لا يُعرَف ، وإنهم لا يموتون حتّى يودعُوا السرّ ، وهو العِرْفان ، عند قومٍ آخَرين يقومون مَقامَهم [١] .
[١] سورة فاطر ٢٨ .[٢] هذا الكلام الذي قاله أمير المؤمنين عليه السلام لكميل رحمه الله ، قد تواتر نقله عن أهل السنّة والشيعة ، فمن السنّة ، ابن عبد ربّه الأندلسي في العقد الفريد ٢:٦٩ ، وأبو هلال العسكري في ديوان المعاني ١:٤١ ، وابن الجوزي في تذكرة الخواص : ص ١٤١ ، وأبو جعفر الإسكافي في المعيار والموازنة . ومن الشيعة رواه الكليني في الكافي ١:١٧٨ ح٧ ، والصدوق في كمال الدين : ص ٢٨٩ / ح٢ و ٣٠٢ / ح١٠ ، والشيخ المفيد في الإرشاد : ص ١٢٢ . وغيرهم . وأمّا قول الشارح ابن أبي الحديد : ( وهذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية وأصحابنا يحملونه على أن المراد به الأبدال ... الخ) . أقول : إن تأويله أو صرفه النصّ إلى الأبدال ورؤساء الصوفية ، أهل الشطح والتخيّلات البعيدة عن معاهد العلم والقرآن والسنّة ، فقول بعيد أجراه على هواه ومذهب أصحابه ، فلا يلتفت إليه . ثمّ من هؤلاء الأبدال الذين يتبجح بذكرهم ؟ هل هم من الجن أم من الملائكة أم ماذا؟ «إن هي الاّ أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللّه بها من سلطان» سورة النجم ٢٣ . ولماذا لم يحمل أخبار الأبدال على أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله وسلم الأئمة الاثني عشر عليه السلام كما هي القاعدة من حمل المجمل على المفصّل ، والمشكوك على المتيقّن ؟ وما يفعل بقوله عليه السلام : «اِما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا» . فأي بدل من أولئك الأبدال كان ظاهرا مشهورا ؟ وأيهم كان خائفا مغمورا ؟ وكيف ، وكلامه عليه السلام يشمل الأنبياء عليهم السلام ! مثل قوله عليه السلام : «لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة» ، ومعلوم أن الأنبياء من القائمين للّه بحجّة بلا خلاف . فلابد أن المراد بالحجة هم الأنبياء ، ومن كان بمنزلتهم من أوصيائهم المعصومين ، ولم يكن بعد نبيّنا صلى الله عليه و آله وسلم من يكون مثله في عصمته وعلمه ومنزلته ، ومن تقوم به الحجة سوى الأئمة الاثني عشر من أهل بيته عليهم السلام بإجماع الأُمّة . نهج الصباغة في شرح نهج البلاغة للعلاّمة التستري ٢:٥١٦ ـ ٥٢٠ بتصرّف .[٣] سورة البقرة ٣٠ .[٤] سورة الأنعام ١٦٥ .