تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٧
قال الطبريّ : فروى صالح بن كيسان ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : لمّا دفن عمر أتيتُ عليّاً عليه السلام ، وأنا أحبّ أن أسمعَ منه في عمر شيئاً ، فخرج ينفُض رأسه ولحيته ، وقد اغتسَل ، وهو ملتحِفٌ بثوب لا يشكّ أنّ الأمر يصير إليه ، فقال : رحم اللّه ابن الخطاب ! لقد صدقت ابنَةُ أبي حَثْمة : « ذهب بخيرها ، ونجا من شرها » ، أما واللّه ما قالت ، ولكن قُوّلت ! وهذا كما ترى يقوّى الظنّ ؛ أن المراد والمعنيّ بالكلام إنّما هو عمر بن الخطاب . قوله : «فلقد قَوّم الأوَد» ، أي العِوَج ، أوِد الشيء بالكسر يأوَدُ أوَدا ، أي اعوجّ ، وتأوّد العود ، يتأوّد . والعَمَد : انفضاخُ سنام البعير ، ومنه يقال للعاشق : عَمِيد القلب ومعموده . قوله : «أصَاب خيرَها» أي خير الولاية ، وجاء بضميرها ولم يجرِ ذكرها لعادة العرب في أمثال ذلك ، كقوله تعالى : «حَتَّى تَوَارَتْ بالحِجَابِ» [١] . وسبق شرّها ، أي مات أو قتل قبل الأحداث والاختلاط الذي جرى بين المسلمين . قوله : «واتّقاه بحقّه» ، أي بإداء حقه والقيام به . فإن قلت : وأيّ معنى في قوله : «واتقاه بأداء حقّه» ؟ وهل يتقي الإنسان اللّه بأداء الحق ! إنما قد تكون التقوى علّة في أداء الحقّ ، فأما أن يتّقي بأدائه فهو غير معقول؟ قلت : أراد عليه السلام أنّه اتّقى اللّه ، ودلّنا على أنه اتّقى اللّه بأدائه حقه ، فأداء الحقّ علّة في علمنا بأنه قد اتّقى اللّه سبحانه . ثم ذكر أنّه رَحَل وترك النّاس في طرق متشعّبة متفرّقة ، فالضالّ لا يهتدى فيها ، والمهتدي لا يعلم أنه على المنهج القويم . وهذه الصفات إذا تأملها المنصف ، وأماط عن نفسه الهوى ، علم أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يَعْنِ بها إلاّ عمر [٢] .
[١] سورة ص٣٢ .[٢] قال الحجاف الزيدي : لا يبعد عندي أنه عليه السلام عنى به بعض أصحابه كالأشتر ، وقد ثبت أنّ الفساد في أصحابه إنّما استشرى بعد موت الأشتر وظهر فيهم الخلاف والخذلان والالتواء . وأقرب من ذلك عندي أن يكون عليه السلام عنى بذلك نفسه ، وحدّث عما قام به من الحق ، وعما يقع بعده من الفتن ، ولم يلتبس الحق حتى لم يستيقن المهتدي إلاّ بعد فقده ، أمّا في حياته فقد كان أتباعه المهتدون مستيقنين ، أمّا عمر فلم تقع الفتنة عقيب فقده بل تراخت زماناً ، فما نسبة انتفائها إليه بأولى من نسبته إلى من تقدّمه ، واللّه أعلم . ( إرشاد المؤمنين ، السيد يحيى الحجاف من أعلام الزيدية ج٢:٦٤٨ تحقيق محمد جواد الجلالي ) . وذهب السرخسي في كتابه ( أعلام نهج البلاغة : ص١٩٢ ط١٤١٥٠ بتحقيق العطاردي ) : إلى أنّ الإمام عليه السلام مدح بعض أصحابه بحسن السيرة ، وأنّه مات قبل الفتنة التي وقعت بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم . كما أنّ الحكيم ابن ميثم البحراني (٦٧٩ ه) في شرحه ، شكّك في إرادته عليه السلام لعمر أو عثمان ، فقال : « بل إرادته لأبي بكر أشبه من إرادته لعمر ، لما ذكره في خلافة عمر وذمِّها به في خطبته المعروفة بالشقشقية » كما جوّز أن يكون مدحه ذاك لأحدهما (عمر أو أبي بكر) في معرض توبيخ عثمان بوقوع الفتنة في خلافته . أقول : وكذلك ، فإن الإمام عليه السلام ذم أبابكر وخلافته في شقشقيته ، وأشركه مع عمر في ظلمه له ونهب تراثه واستبعاده ، بقوله (لشدّ ما تشطّرا ضرعيها) أي اقتسما الخلافة فأخذ كلّ منهما شطراً ، (فصيّرها في حوزة خشناء ...) كما أن أبا بكر لم يخلّف الفتنة وعليه فلا يمكن أن يكون المراد أبابكر . وكلام الإمام عليه السلام لبني عبد المطلب بعد حادثة الشورى يشكف بصراحهه عن طعنه عليهما معاً وزرايته لهما ، ذكره ابن أبي الحديد في شرحه ٩:٥٤ ، قال عليه السلام لبني أبيه : « يا بني عبد المطّلب ، إنّ قومكم عادوكم بعد وفاة النبيّ كعداوتهم النبيّ في حياته ، وإن يطِع قومُكم لا تؤمَّروا أبداً ؛ وواللّه لا ينيب هؤلاء إلى الحقّ إلاّ بالسيف » . قال : وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، داخلٌ إليهم ، قد سمع الكلام كلَّه فدخل ، وقال : يا أبا الحسن ، أتريد أن تضرب بعضهم ببعض ! فقال : اسكت ويحك ! فو اللّه لو لا أبوك وما ركب منّي قديماً وحديثاً ، ما نازعني ابنُ عفّان ولا ابنُ عوف . فقام عبد اللّه فخرج . وغيرها في مواطن كثيرة ، أظهر شكواه وتبرّمه منهما ومن قريش جميعاً . وأمّا ما نقله الشارح عن الطبري ، فالطبري متحيّز بل مخالف ، والمتحيّز لا ينظر بعين الحق ، ورواية المخالف لنفسه غير مقبولة . وأصل الكلام فيه ، حكاه الإمام عليه السلام : « أما واللّه ما قالت ، ولكن قوّلت » بمعنى أنّها ما قالته من نفسها ، ولكن أُجبرت وحمّلت على قوله . وليس فيه من المدح الشيء المهم ، وفي العبارة الأخيرة ذمّ وشكوى في صورة المدح والثناء « رحل وتركهم في طرق متشعبة ، لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقن المهتدي » . ويظهر من الطبري أيضاً أنه ليس من كلام الإمام عليه السلام ، بل هو من كلام « ابنة أبي حثْمة » ، وأنّ الإمام عليه السلام صدّقها في كلمتين « ذهب بخيرها ونجا من شرّها » . وروى ابن شبّة النميري القضية بهذه الصورة : بلغنا أنّ عبد اللّه بن عيينة الأزدي حليف بني المطلب ، قال : لما انصرفنا مع عليّ عليه السلام من جنازة عمر ، دخل فاغتسل ، ثمّ خرج إلينا ، فَصَمَتَ ساعة ، ثم قال : « للّه بلاء نادبة عمر ، قالت : واعمراه أقام الأود ، واعمراه ، ذهب نقي الثوب ، قليل العيب واعمراه ، أقام السنة وخلّف الفتنة . ثم قال : « واللّه ، مادرتْ هذا ، ولكنها قوَّلَته ، وصدقت واللّه ، أصاب عمر خيرها وخلّف شرّها ... » تاريخ المدينة المنورة ، ابن شبة النميري ٣:٩٤١ ـ ٩٤٢ ، تحقيق فهيم محمد شلت��ت . أقول : فهل يصحّ الاستدلال بكلامٍ مجهول قائله ؟ قد أُلقي إلى النادبة ، وقوّلته ، وما قالته من نفسها ، وواضح أنّ الإمام عليه السلام كرر كلام النادية متعجباً منه ، متهكماً به ومستغرباً ؛ لأنّه تقويل لا صحة له . وأخيراً يرجّح كثير مِن المحققين أنّ هذا الكلام موضوع مختلق جملة وتفصيلاً ، مخالف لكثير من أُصول ومواضعات مذهب الحق ، وهو خلاف الأخبار المتواترة والسيرة المحفوفة بالقرائن والشواهد من أنّ الإمام عليه السلام كان كثير الاستياء والتشكّي من رجال الخلافة ؛ ليؤكد مظلوميته ، وحقانيته كوصي للنبي صلى الله عليه و آله وسلم وحجة للّه تعالى في أرضه .