تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٦
٢٢٣
الأصْلُ:
.ومن كلام له عليه السلام [١] : ومن كلام له عليه السلام [٢] : للّه ِ بِلادُ فُـلاَنٍ ، فَلَقَدْ قَوَّمَ الْأَوَدَ ، وَدَاوَى الْعَمَدَ ، وَأَقَامَ السُّنَّةَ ، وَخَلَّفَ الْفِتْنَةَ! ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ ، قَلِيلَ الْعَيْبِ . أَصَابَ خَيْرَهَا ، وَسَبَقَ شَرَّهَا . أَدَّى إِلَى اللّه ِ طَاعَتَهُ ، وَاتَّقَاهُ بِحَقِّهِ . رَحَلَ وَتَرَكَهُمْ فِي طُرُقٍ مَتَشَعِّبَةٍ ، لاَ يَهْتَدِي بِهَا الضَّالُّ ، وَلاَ يَسْتَيْقِنُ الْمُهْتَدِي .
الشّرْحُ:
العرب تقول : للّه بلادُ فلان ، وللّه ِ دَرُّ فُلان ، وللّه ِِ نادي فُلاَنٍ ، وللّه ِِ نائِحُ فُلاَنٍ ! والمراد بالأول : للّه ِِ البِلاَدُ الَّتِي أنشأتْهُ وأنبتَتْهُ ، وبالثّاني : للّه ِِ الثَّدْي الذي أرْضَعَهُ ، وبالثالثِ : للّه ِِ المجْلِسُ الَّذِي رُبِّيَ فيهِ ، وبالرابع : للّه ِ النَّائِحَةُ الَّتي تَنُوحُ عَلَيْهِ وَتنْدبُه ! ماذا تَعْهَدُ من مَحَاسِنِهِ ! ويُروى : « للّه بلاءُ فلان !» ، أي للّه ِ ما صنع ! وفلان المكنى عنه عمر بن الخطّاب . وسألتُ عنه النّقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العَلوِيّ ، فقال لي : هو عمر ، فقلت له : أيُثنِي عليه أميرُ المؤمنين عليه السلام هذا الثناء ؟ فقال : نعم ؛ أمّا الإماميّة فيقولون : إنّ ذلك من التَّقيّة واستصلاح أصحابه . وأمّا الصّالحيّون من الزيْديّة فيقولون : إنّه أثنى عليه حقّ الثناء ، ولم يضع المدح إلاّ في موضعه ونصابه . وأمّا الجاروديَّة من الزيديّة فيقولون : إنّه كلام قاله في أمر عثمان أخرجه مُخرَج الذمِّ له ، والتنقّص لأعماله ، كما يُمدَحُ الآن الأميرُ الميّت في أيام الأمير الحيّ بعده ، فيكون ذلك تعريضا به . فأمّا الراونديّ ، فإنه قال في الشرح : إنّه عليه السلام مدح بعض أصحابه بحسن السيرة ، وأنّ الفتنة هي التي وقعت بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم من الاختيار والأثَرة .
[١] ورد في كثير من نسخ نهج البلاغة (الخطيّة والمطبوعة) عبارة : ( من كلام له عليه السلام يريد بعض أصحابه) فحذف منها ابن أبي الحديد عبارة : (يريد به بعض أصحابه) ؛ ليسجّل فيما بعد أنّ الخطبة وردت في مدح (عمر) لحاجة في نفسه ، واستدل لما ذهب إليه بخبر الطبري وتأييد أبي جعفر النقيب .