تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٣٦
الشّرْحُ:
هذا الفصل بَيّنٌ في نفسِه لا يَحتاج إلى شَرْح ، وذلك لأنّ عَمَل كلّ واحدة من الدارين مُضادٌّ لِعَمل الأُخرى ، فعَمَل هذا : الاكتساب ، والاضطراب في الرزق ، والاهتمام بأمر المعاش ، والولد والزوجة ، وما ناسَبَ ذلك . وعمل هذه : قَطْعُ العلائق ، ورفض الشهوات ، والانتصاب للعبادة ، وصَرْف الوجه عن كلّ ما يصدّ عن ذِكرِ اللّه تعالى ؛ ومعلومٌ أنّ هذين العَمَلين متضادّان ، فلا جَرَم كانت الدّنيا والآخرة ضرّتين لا يجتمعان!
١٠١
الأصْلُ:
.وعن نوف البكّائي ـ وَقِيلَ البَكالِيّ باللاّمِ ؛ وَهُوَ الأصَح ـ قَالَ : رأيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة، وقد خرج من فراشه ، فنظر إلى النجوم ، فقال لي : يَا نَوفُ ، أرَاقِدٌ أَنْتَ أمْ رامِقٌ ؟ فقلت : بل رامِقٌ يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ ؛ قال : يَا نَوْفُ ، طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا ، الرَّاغِبِينَ فِي الآخِرَةِ ، أُولئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً ، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً ، وَمَاءَهَا طِيباً ، وَالْقُرْآنَ شِعَاراً ، وَالدُّعَاءَ دِثَاراً ، ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ . يَانَوْفَ ، إِنَّ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَامَ فِي مِثْلِ هذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ : إِنَّهَا لسَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَشَّاراً ، أَوْ عَرِيفاً ، أَوْ شُرْطِيّاً ، أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ ـ وَهِيَ الطُّنْبُورُ ـ أَوْ صَاحِبَ كَوْبَةٍ ، وَهِيَ الطَّبْلُ . وَقَدْ قِيلَ أيضا : إنَّ العَرْطَبَةَ الطَّبْلُ ، والكَوْبَةُ الطُّنْبُورُ [١] .
[١] العشّار : من يتولّى أخذ أعشار الأموال ، وهو المكّاس . العريف : من يتجسس على أحوال الناس وأسرارهم ليكشفها لأميره . الشرطي : الذي يعاون الحاكم في ظلمه وينفّذ أمره . والعَرطَبَة : الطنبورُ بلغة الروم . الكوبة : الطبل الصغير المخصّر ، غنى بهما صاحب الملاهي .