تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٧٣
منجح» ، قول النّبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «داووا مَرْضاكم بالصدقة» . قوله عليه السلام : «أعمال العباد في عاجلهم نُصْبُ أعينهم في آجِلِهم» ، هذا من قوله تعالى : «يَوْمَ تَجِدُ كلُّ نَفْسٍ مَاعَمِلتْ منْ خَيْرٍ مُحْضَرا وَمَا عَمِلتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَوْ أنَّ بينَها وَبيْنَهُ أمَدا بَعِيدا» . وقال تعالى : «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثقَالَ ذَرّةٍ خَيْرا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذرّةٍ شَرّا يَرَهُ» .
٨
الأصْلُ:
.اعْجَبُوا لِهذَا الإِْنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ ، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ ، وَيَسْمَعُ بِعَظمٍ ، وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ .
الشّرْحُ:
هذا كلام محمول بعضه على ظاهره ، لما تدعو إليه الضّرورة من مخاطبة العامّة بما يفهمونه ، والعدول عمّا لا تقبله عقولهم ، ولا تَعِيهِ قلوبُهم [١] . أما الإبصار ؛ فقد اختلف فيه ، وعلى جميع الأقوال فلابدّ من إثبات القوة المبصرة في الرطوبة الجلْدية ، وإلى الرطوبة الجلدية وقعت إشارته عليه السلام بقوله : « ينظر بشَحْم» . وأمّا الكلام فمحلّه اللسان عند قوم . وقال قوم : ليس اللّسان آلة ضرورية في الكلام ، وعلى كلا القولين فلابدّ أن تكون آلة الكلام لحما ، وإليه وقعت إشارة أمير المؤمنين عليه السلام . فأما السمع للصوت فليس بعظم عند التحقيق ، وإنما هو بالقوّة المودَعة في العصب المفروش في الصّماخ كالغشاء ، وبالجملة فلابدّ من عَظْم ؛ لأنّ الحامل للّحم والعَصَب إنما هو العظْم . وأمّا التَّنفُّس فلا ريبَ أنه من خَرْم ؛ لأنّه من الأنف ، وإن كان قد يمكن لو سدّ الأنف أن
[١] كلام الإمام عليه السلام واضح ، أراد أن يحكي فيه عظمة الخالق ودقة صنعه وحكمته ليعتبر الإنسان ويتعظ ، والعلم الحديث يذعن بذلك ، فالإنسان ينظر بشحم ، وهي (الشبكية) وهي شحمة دون شك ، وبها يتم الإبصار . ويتكلم الإنسان بلحم وهو اللسان (ويسمع بعظم) ، وهو إشارة إلى العظيمات الثلاث في الأُذن الوسطى ، التي بواسطتها يتم نقل الأصوات ويتم الاستماع . فسبحان من خلق فسوّى ، وقدّر فهدى .