تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٦٣
.ومن كتاب له عليه السلام أجاب به أبا موسى الأشعريّ بِأَقَاويلِ السُّوءِ ، وَالسّلاَمُ .
الشّرْحُ:
رُوي : «ونطقوا مع الهوى» ، أي مائلين مع الهوى . ورُوي : «وأنا أُداري» بالراء ، من المداراة ، وهي الملاينة والمساهلة . ورُوي : «نفع ما أولى» باللام ؛ يقول : أوليته معروفا . ورُوي : «إن قال قائل بباطل ويفسد أمرا قد أصلَحَه اللّه » . واعلم أنّ هذا الكتاب كتاب مَنْ شكّ في أبي موسى واستوحش منه ؛ ومن قد نقل عنه إلى أبي موسى كلاما إمّا صدقا وإمّا كذبا . وقد نَقَل عن أبي موسى إليه كلاما إمّا صدقا أيضا وأمّا كذبا ، قال عليه السلام : إنّ الناس قد تغيّر كثير منهم عن حظّهم من الآخرة ، فمالوا مع الدنيا . وإنّي نزلت من هذا الأمر منزلاً معجِبا ، بكسر الجيم ، أي يعجِب مَنْ رآه ، أي يجعله متعجّبا منه . وهذا الكلام شكوى من أصحابه ونُصَّاره من أهل العراق ؛ فإنهم كان اختلافهم عليه واضطرابهم شديدا جدّا . والمنزل والنّزول هاهنا مجاز واستعارة ، والمعنى أنّي حصلت في هذا الأمر الذي حصلت فيه عليه حال معجبة لمن تأمّلها لأنّي حصلت بين قوم كلّ واحد منهم مستبدّ برأي يخالف فيه رأيَ صاحبه ؛ فلا تنتظم لهم كلمة ولا يستوثق لهم أمر ؛ وإن حكمت عليهم برأي أراه أنا خالَفوه وعصوْه ، ومن لا يطاع فلا رأي له ، وأنا معهم كالطبيب الذي يداوي قَرْحا ، أي جراحة قد قاربتْ الاندمال ولم تندمِلْ بعدُ ؛ فهو يخاف أن يعود عَلَقا ، أي دما . ثم قال له : ليس أحد ـ فاعلم ـ أحرصَ على ألفة الأُمّة وضمّ نشْر المسلمين . وأدخل قوله : «فاعلم» بين اسم ليس وخبرها فصاحة ، ويجوز رفع « أحرص» يجعله صفةً لاسم «ليس» ؛ ويكون الخبر محذوفا ، أي ليس في الوجود رجل . وتقول : قد وأيتُ وأيا ، أي وعدت وعدا ، قال له : أمّا أنا فسوف أفي بما وعدت وما استقرّ بيني وبينك ؛ وإن كنت أنت قد تغيّرت عن صالح ما فارقتني عليه . فإن قلت : فهل يجوز أن يكون قوله : «وإن تغيّرت» من جملة قوله فيما بعد « فإنّ الشقيّ » كما تقول : إن خالفتني فإنّ الشقيّ من يخالف الحق؟ قلت : نعم ، والأوّل أحسن ؛ لأنّه أدخلُ في مدْح أمير المؤمنين عليه السلام كأنه يقول : أنا أفي وإن كنتَ لا تفي ، والإيجاب يحسّنه السلْب الواقع في مقابلته . والضدّ يظهر حسنَه الضّدُّ . ثمّ قال : «وإني لأعْبَد» ، أي آنف ، من عبِد بالكسر أي أنِف ، وفسّروا قوله : «فَأَنَا أوَّلُ