تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٥٦
ويحارب علياً على الخلافة ، ويقوم في المسلمين مقامَ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم لما طلب لذلك المنام تأويلاً ولا تعبيرا ، ولعدّة من وساوس الخيال وأضغاث الأحلام ؛ وكيف وأنَّى له أن يخطر هذا بباله ، وهو أبعد الخلق منه ؟ وهذا كما يخطر للنّفّاط أن يكون مَلِكا ، ولا تنظرنّ إلى نسبه في المناقب ، بل انظر إلى أن الإمامة هي نبوّة مختصرة ، وأن الطليق المعدود من المؤلفة قلوبهم المكذّب بقلبه وإن أقرّ بلسانه ، الناقص المنزلة عند المسلمين ، القاعد في أُخريات الصفّ إذا دخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين ، كيف يخطر ببال أحد أنها تصير فيه ويملكها ويسمه الناس وسمَها ، ويكون للمؤمنين أميرا ، ويصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء من أهل الدّين والفَضْل ؟ وهذا أعجب من العَجب ! أن يجاهد النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم قوما بسيفه ولسانه ثلاثا وعشرين سنة ، يلعنهم ويبعدهم عنه ، وينزل القرآن بذمهم ولعنهم ، والبراءة منهم ، فلما تمهّدت له الدولة ، وغلب الدّين على الدّنيا ، وصارت شريعة دينيّة محكمة ، مات فشيَّد دينه الصالحون من أصحابه ، وأوسعوا رقعة ملَّته ، وعظم قدرُها في النفوس ، فتسلّمها منهم أولئك الأعداء ، الذين جاهدهم النبي صلى الله عليه و آله وسلمفملكوها وحكموا فيها ، وقتلوا الصُّلحاء والأبرار وأقارب نبيّهم الذين يظهرون طاعته ، وآلت تلك الحركة الأُولى وذلك الاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم ؛ فليتَهُ كان يبعث فيرى معاوية الطّليق وابنه ، ومَرْوان وابنه ، خلفاء في مقامه ، يحكمون على المسلمين ، فوضح أنّ معاوية فيما يراجعه ويكاتبه به ؛ كصاحب الأحلام . وأمّا تشبيهه إياه بالقائم مقاما قد بهظه ؛ فلأن الحجج والشّبه والمعاذير التي يذكرها معاوية في كتبه أوهن من نسج العنكبوت ، فهو حال ما يكتب كالقائم ذلك المقام ، يخبط خبط العشواء ، ويكتب ما يعلم هو والعقلاء من النّاس أنّه سفَه وباطل . فإن قلت : فما معنى قوله عليه السلام : «لولا بعض الاستبقاء» ؟ وهل كانت الحال تقتضي أن يستبقي ؟ وما تلك القوارع التي أشار إليها؟ قلت : قد قيل : إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم فَوّض إليه أمرَ نسائه بعد موته ، وجعل إليه أن يقطع عصمة أيَّتهن شاء إذا رأى ذلك ، وله من الصحابة جماعةٌ يشهدون له بذلك ، فقد كان قادرا على أن يقطع عصمة أُمّ حبيبة ، ويبيح نكاحها الرّجال عقوبة لها ولمعاوية أخيها ، فإنها كانت تُبغض عليّا كما يُبغضه أخوها ، ولو فعل ذلك لانتهسَ لحمه ، وهذا قول الإماميّة وقد رووا عن رجالهم أنه عليه السلام تهدّد عائشة بضرب من ذلك [١] ، وأمّا نحن فلا نصدّق هذا الخبر ، ونفسّر
[١] قول الشارح : «وهذا قول الإمامية» ، وقد فسّر ( القوارع ) في كلام الامام عليه السلام بما ذكره من تفويض أمر نسائه صلى الله عليه و آله وسلمإلى الامام عليه السلام . أقول : أولاً : لا أحد من أعلام الإمامية فسّر ( القوارع ) بما ذكر . وثانيا : أن أصل تفويض النبي صلى الله عليه و آله وسلمأمر نسائه إلى الإمام عليه السلام ، لم يكن من مختصّات الإمامية . فقد ذكر ذلك بعض العامة ، منهم ( أحمد بن أعثم الكوفي في كتابه الفتوح ٢:٣٤٠ طبعة مصر ) . وثالثا : ليس المراد من طلاقهنّ إباحة نكاحهن ، بل سقوط حرمتهنّ . فحتى لو أنّ النبي صلى الله عليه و آله وسلمطلّق امرأة لم يدخل بها ، لم يجز نكاحها أيضا .