تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٤
٢١٨
الأصْلُ:
.ومن كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته: «يَا أَيُّهَا الاْءِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ» [١] . أَدْحَضُ مَسْؤولٍ حُجَّةً ، وَأَقْطَعُ مُغْتَرٍّ مَعْذِرَةً ، لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً بِنَفْسِهِ . يَا أَيُّهَا الاْءِنْسَانُ ، مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنبِكَ ، وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ، وَمَا أنـَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ ! أَمَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ ، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةٌ؟ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ؟ فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ الشَّمْس فَتُظِلُّهُ ، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ ! فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ ، وَجَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ ، وَعَزَّاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَهِيَ أَعَزُّ الأنْفُس عَلَيْكَ ! وَكَيْفَ لاَ يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ ، وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ؟! فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ ، وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ ، وَكُنْ لِلّهِ مُطِْيعاً ، وَبِذِكْرِهِ آنِساً . وَتَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ ، يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ ، وَيَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ ، وَأَنْتَ مُتَوَلٍّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ . فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٍّ مَا أَكْرَمَهُ ! وَتَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ! وَأَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ ، وَفِي سَعَةِ فَضْلِهِ مَتَقَلِّبٌ . فَلَمْ يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ ، وَلَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ ، بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَيْنٍ فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ ، أَوْ سَيّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ ، أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ . فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ! وَايْمُ اللّه ِ لَوْ أَنَّ هذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ ، مُتَوَازِيَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ ، لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الأخْلاَقِ ، وَمَسَاوِئِ الأعْمَالِ . وَحَقّاً أَقُولُ ! مَا الدُّنْيَا
[١] سورة الانفطار ٦ .