تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٣
منكم ملائكة. قوله : «ومن أخذ يميناً وشمالاً» ، أي ضلّ عن الجادّة . و «إلى» في قوله : «ذمّوا إليه الطريق» مثل «إلى» الأُولى . ويهتفون بالزواجر : يصوّتون بها ، هتفت الحمامة تهتِف هتْفاً ، وهتف زيد بالغنم هِتافا بالكسر ، وقوس هتافة وهتفى ، أي ذات صوت . والقسْط : العدل . ويأتمرون به : يمتثلون الأمر . وقوله : «فكأنّما قطعوا الدّنيا إلى الآخرة» ، إلى قوله : «ويسمعون ما لا يسمعون» ؛ هو شرح قوله عن نفسه عليه السلام : «لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً» . والأوْزار : الذنوب . والنشيج : صوت البكاء . والمقعد : موضع القعود . ويد قارعة : تطرق باب الرحمة ، وهذا الكلام مجاز . والمنادح : المواضع الواسعة . و «على» في قوله : «ولا يخيب عليه الراغبون» متعلّقة بمحذوف مثل «إلى» المتقدّم ذكرها ، والتقدير «نادمين عليه» . والحسيب : المحاسب . واعلم أنَّ هذا الكلام في الظاهر صفة حال القصّاص والمتصدّين لإنكار المنكَرات ، ألا تراه يقول : «يذكّرون بأيام اللّه » ! أي بالأيام التي كانت فيها النقمة بالعصاة ، ويخوّفون مقامه من قوله تعالى : «وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ» [١] ثم قال : فمن سلك القَصْد حمِدُوه ، ومَنْ عدل عن الطريق ذمُّوا طريقه ، وخوّفوه الهلاك . ثم قال : يهتفون بالزواجر عن المحارم في أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط وينهون عن المنكر . وهذا كلّه إيضاح لما قلنا أولاً ؛ أنّ ظاهرَ الكلام شرحُ حالِ القصّاص وأرباب المواعظ في المجامع والطرقات ، والمتصدّين لإنكار القبائح ؛ وباطن الكلام شرح حال العارفين ، الذين هم صَفْوة اللّه تعالى من خلقه ، وهو عليه السلام دائما يكني عنهم ، ويرمز إليهم ، على أنه في هذا الموضع قد صرّح بهم في قوله : «حتّى كأنّهم يروْن ما لا يَرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون» . وقد ذكر من مقامات العارفين في هذا الفصل : الذّكْر ، ومحاسبة النفس ، والبكاءَ والنحيب ، والنّدم والتّوبة ، والدعاء والفاقة ، والذلّة ، والحزن ، وهو الأسى الذي ذكر أنه جرح قلوبهم بطوله .
[١] والجِلاَء : الصقل وكشف الصدأ . والجَلاَء : الإخراج عن الوطن ، أو من الدار ونحوه .[٢] سورة الزخرف ٦٠ .[٣] سورة الرحمن ٤٦ .