تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٢٩
.ومن هذا الكتاب: الاْءِسْلاَمِ ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الاْءِسْلاَمِ الرَّضَائِخُ . فَلَوْلاَ ذلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ وَتَأْنِيبَكُمْ ، وَجَمْعَكُمْ وَتَحْرِيضَكُمْ ، وَلَتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَبَيْتُمْ وَوَنَيْتُمْ . أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ ، وَإِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ ، وَإِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَى ، وَإِلَى بِلاَدِكُمْ تُغْزَى! انْفِرُوا - رَحِمَكُمُ اللّه ُ - إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ ، وَلاَ تَثَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْض فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ ، وَتَبُوؤُا بِالذُّلِّ ، وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَسَّ ، وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ ، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ ، وَالسَّلاَمُ .
الشّرْحُ:
طِلاع الأرض : ملؤُها . وآسَى : أحزَن . وأكثرت تأليبَكم : تَحرِيضَكم وإغراءكم به . والتأنيب : أشدّ اللّوم . وونَيْتم : ضَعُفتم وفَترتم . ومَمالِككم تزوَى ، أي تُقبَض . ولا تثّاقلوا بالتّشديد ، أصلُه «تَتَثاقلوا» . وتقرّوا بالخسف : تَعترفوا بالضّيم وتَصبروا له . وتبوءوا بالذلّ : تَرجِعوا به . والأرِق : الّذي لا ينام . ومِثلُ قولِه عليه السلام : «من نام لم يُنَم عنه» قولُ الشاعر : للّه دَرُّكَ ما أردتَ بثائرٍ حرّانَ ليس عن التِّراتِ براقدِ [١] أسهرْتَه ثمّ اضطجَعْت ولم يَنَم حَنَقاً عليك وكيف نَوْمُ الحاقدِ! فأمّا الذي رُضِخت له على الإسلام الرّضائخ ، فمعاوية ؛ والرّضِيخة : شيء قليلٌ يُعطَاه الإنسان يُصانَع به عن شيء يُطلَب منه كالأجر ، وذلك لأنّه من المؤلَّفة قلوبُهم الّذين رَغِبوا في الإسلام والطاعة بجِمالٍ وشاءٍ دُفِعتْ إليهم ، وهم قومٌ معروفون كمعاوية وأخيه يزيد ، وأبيهما أبي سُفْيان ، وحكيم بن حِزام ، وسُهَيل بن عمرو ، والحارث بن هشام بن المغيرة ، وحُوَيْطِب بن عبد العُزّى ، والأخنَس بن شَرِيق ، وصَفْوان بن أُميّة ، وعُمير بن وهب الجُمَحيّ ، وعُيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس ، وعبّاس بن مِرْداس وغيرهم ، وكان إسلام هؤلاء للطّمع والأغراض الدنياويّة ، ولم يكن عن أصل ولا عن يقين وعلم .
[١] الترات : جمع ترة ؛ وهي الأخذ بالثأر .