تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٢٨
المتيقّن بحكم الحال الحاضرة . قال : «فما راعني إلاّ انثيال الناس» ، تقول للشيء يفْجَؤك بغتَةً : ما راعني إلاّ كذا ، والرَّوْع بالفتح : الفَزَع ، كأنه يقول : ما أفزعني شيءٌ بعد ذلك السكون الذي كان عندي ، وتلك الثقة التي اطمأنَنْتُ إليها إلاّ وقوعُ ما وقع من انثيال الناس ـ أي انصبابهم من كلّ وجه كما ينثال التراب ـ على أبي بكر ، وهكذا لفظ الكتاب الذي كتبه للأشتر ، وإنما الناسُ يكتبونه الآن «إلى فلان» تذمّما من ذكر الاسم كما يكتبون في أوّل الشِقْشِقِيّة : «أما واللّه لقد تقمَّصها فلانٌ» ، واللفظ «أما واللّه لقد تقمّصها ابن أبي قُحافة» . قوله : «فأمسكتُ بيدي» ، أي امتنعتُ عن بيعته ، حتى رأيت راجعة الناس ، يعني أهل الرّدة كمسيلمة ، وسَجاح وطُليحة بن خويلد ، ومانعي الزكاة ؛ وإن كان مانعوا الزكاة قد اختلف في أنّهم أهل رِدّة أم لا ؟ ومحقُ الدِّين : إبطاله . وزَهَق : خَرَج وزال . تنهنَه : سكن ، وأصله الكفّ ، تقول : نهنهت السبعَ فَتَنَهْنَه ، أي كَفّ عن حركته وإقدامه ، فكأنّ الدّين كان متحرّكا مضطربا فسكن وكفّ عن ذلك الاضطراب . قلت : هذا هو الحديث الذي أشار عليه السلام إلى أنه نهض فيه أيام أبي بكر . وكأنه جوابٌ عن قول قائل : إنه عمل لأبي بكر ، فبيّن عليه السلام عذرَه في ذلك ، وقال : إنه لم يكن كما ظنّه القائل ، ولكنه من باب دَفْع الضرر عن النفس وعن الدين ، فإنه واجبٌ سواء كان للنّاس إمام أو لمْ يكن .
الأصْلُ:
.ومن هذا الكتاب: إِنِّي وَاللّه ِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طِلاَعُ الْأَرْض كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَلاَ اسْتَوْحَشْتُ ، وَإِنِّي مِنْ ضَلاَلِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ ، وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ ، لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَيَقِينٍ مِنْ رَبِّي . وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللّه ِ لَمُشْتَاقٌ ، وَلحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاجٍ ؛ وَلَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ أَمْرَ هذِهِ الْأُمَّةِ سُفَهَاؤهَا وَفُجَّارُهَا ، فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللّه ِ دُوَلاً ، وَعِبَادَهُ خَوَلاً ، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً ، وَالْفَاسِقِينَ حِزْباً ؛ فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ ، وَجُلِدَ حَدّاً فِي