تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٢٢
ترجع إليها ، وبعد ذلك أتمكّن من قَتَلةِ عثمان بأعيانهم فأقتصَّ منهم ، فأبَوْا إلاّ المكابرَة والمغالبة والحرب . «حتّى جَنَحتْ الحرب ورَكدَت» ، جَنَحت : أقبلتْ ، ومنه : قد جَنَح الليل ، أي أقبل ، ورَكَدت : دامت وثَبتَتْ . «ووَقَدتْ نِيرانُها» ، أي التهبت . «وحَمِشتْ» ، أي استعرَت وشَبّت . ورُوِي : «واستحشَمَت» وهو أصحّ ؛ ومن رواها «حَمَستْ» بالسين المهملة أراد اشتدّت وصَلُبت . قوله : «فلمّا ضَرّستْنا وإيّاهم» ، أي عضّتْنا بأضراسها ، ويقال : ضَرَسَهم الدهر أي اشتدّ عليهم . قال : لمّا اشتدّت الحرب علينا وعليهم ، وأكلَتْ منّا ومنهم ، عادوا إلى ما كنّا سألناهم ابتداءً ، وضَرَعوا إلينا في رَفْع الحرب ، ورَفَعوا المصاحفَ يسألون النزولَ على حُكمِها ، وإغمادَ السّيف ، فأجبناهم إلى ذلك . قوله : «وسارعْناهم إلى ما طلبوا » كلمةٌ فصيحة ، وهي تَعدِية الفعلِ اللاّزم ، كأنّهما لمّا كانت في معنى المُسابَقة ، والمسابقة متعدّية عدّي المُسارعةَ . قولُه : « حتّى استبانت » ، يقول : استمرَرْنا على كفّ الحرب ، ووضعِها إجابةً لسؤالهم إلى أن استبانت عليهم حجّتنا ، وبطلتْ معاذيرُهم وشُبْهتُهم في الحرب وشَقّ العصا ، فمن تمّ منهم على ذلك ، أي على انقياده إلى الحقّ بعد ظهوره له ، فذاكَ الّذي خَلّصه اللّه ُ من الهلاك وعذابِ الآخرة ، ومن لَجّ منهم على ذلك وتَمادَى في ضلاله فهو الرّاكس ؛ قال قوم : الراكس هُنا بمعنَى المَرْكوس ، فهو مقلوب ، فاعل بمعنى مفعول ، كقوله تعالى : «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيةٍ» [١] ، أي مرضيّة ، وعندي أنّ اللّفظة على بابها ، يعني أنّ من لجّ فقد رَكَس نفسَه ، فهو الرّاكس ، وهو المركوس ، يقال : ركَسه وأركَسَه بمعنىً ، والكتابُ العزيز جاء بالهمز فقال : «واللّه ُ أَركَسَهُم بِمَا كَسَبُوا» [٢] ، أي رَدّهم إلى كفرهم ؛ ويقول : ارتَكَس فلان في أمرٍ كان نجا منه ، ورانَ على قلبه ، أي رانَ هو على قلبه ، كما قلنا في الرّاكس ؛ ولا يجوز أن يكون الفاعل ـ وهو اللّه ـ محذوفا ؛ لأنّ الفاعل لا يُحذَف ، بل يجوز أن يكون الفاعلُ كالمحذوف وليس بمحذوف ، ويكون المصدر وهو الرَّيْن ، ودَلّ الفعل عليه كقوله تعالى : «ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَارَأَوُا الآيَاتِ» [٣] أي بَدا لهم البداء . ورَانَ بمعنى غَلَب وغَطّى ؛ ورُوِي : «فهو الرّاكس الّذي رينَ على قَلْبه» .
[١] القارعة ٧ .[٢] سورة النساء ٨٨ .[٣] سورة يوسف ٣٥ .