تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣١٤
{ دعْها سماويّة تجري على قَدَرٍ لا تُفْسِدَنْها برأيٍ منك مَعكوسِ } ومنها نهيُه له عن الوَهْن فيها إذا استوضحت أي وَضَحتْ وانكشفتْ ، ويُروَى : « واستُوضِحَتْ» فِعلُ ما لم يسمَّ فاعله ، والوَهْن فيها إهمالُها وتركُ انتهاز الفرصة . ومنها نهيهُ عن الاستئثار ، وهذا هو الخُلُق النبويّ . غَنم رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم غنائمَ خَيْبر، وكانت مِل ءَ الأرض نعماً ، فلمّا ركب راحلتَه وسار تَبِعه الناسُ يطلبون الغنائم وقَسْمَها ، وهو ساكتٌ لا يكلّمهم ، وقد أكثروا عليه إلحاحاً وسؤالاً ، فمرّ بشجرة فخطفت رداءه ، فالتفتَ فقال : ردّوا عليّ ردائي ، فلو ملكت بعدد رَمْل تِهامةَ مَغنَماً لقسمتُه بينكم عن آخره ثمّ لا تجدونني بخيلاً ولا جبانا ، ونَزلَ وقَسمَ ذلك المالَ عن آخره عليهم كلّه ، لم يأخذ لنفسه منه وَبرَةً . ومنها نهيُه له عن التّغابي ، وصورة ذلك أنّ الأمير يُومَى إليه أن فلانا من خاصّته يَفعل كذا ويَفعل كذا من الأُمور المنكرة ويرتكبُها سرّا ، فيتغابَى عنه ويَتغافل ، نهاه عليه السلام عن ذلك وقال : إنّك مأخوذٌ منك لغيرك ، أي معاقَب ، تقول : اللّهمّ خذ لي من فلان بحقّي ، أي اللّهم انتقِم لي منه . ومنها نهيُه إيّاه عن الغضب ، وعن الحُكْم بما تقتضيه قوّتهُ الغضبيّة حتّى يسكن غضبُه . قد جاء في الخبر المرفوع : «لا يقضي القاضي وهو غَضْبان» ، فإذا كان قد نُهِيَ أن يقضيَ القاضي وهو غَضْبان على غير صاحبِ الخصومة ، فبالأوْلى أن يُنهَى الأميرُ عن أن يَسطوَ على إنسان وهو غَضبان عليه .
الأصْلُ:
.ومن هذا العهد وهو آخره: وَأَنَا أَسْأَلُ اللّه بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ ، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فيهِ رِضَاهُ ، مِنَ الاْءِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ ، وَجَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبَلاَدِ ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ ، وَتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ ، وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ ؛ إِنَّا إلَى اللّه راغبون . وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللّه ِصَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ .