تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣١٠
. الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ ، وَيَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ ، فَـلاَ إِدْغَالَ وَلاَ مُدَالَسَةَ وَلاَ خِدَاعَ فِيهِ . وَلاَ تَعْقِدْه عَقْداً تُجوِّزُ فِيهِ الْعِلَلَ ، وَلاَ تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللّه ِ إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللّه ِ فِيهِ طِلْبَةٌ ، لاَ تَسْتَقْيلُ فَيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ .
الشّرْحُ:
أمَرَه أن يقبل السِّلم والصلح إذا دُعِي إليه ، لما فيه من دَعَة الجنود ، والراحةِ من الهمّ ، والأمن للبلاد ، ولكن ينبغي أن يحذر بعد الصّلح من غائلة العدوّ وكيدِه ، فإنه ربما قارب بالصلح ليتغفّل ، أي يطلب غفلتك ، فخذ بالحَزم ، واتّهمْ حُسْنَ ظنك ، لا تثقْ ولا تسكن إلى حُسنِ ظنك بالعدوّ ، وكن كالطائر الحَذِر . ثمّ أمَرَه بالوفاء بالعهود ؛ قال : واجعل نفسك جُنّةً دون ما أعطيت ، أي ولو ذهبتْ نفسُك فلا تَغدِر . ثم قال له عليه السلام : وقد لزم المشركون مع شِرْكهم الوفاءَ بالعهود ، وصار ذلك لهم شريعة وبينهم سنّة ، فالإسلام أولى باللزوم والوفاء . واستَوْبلوا : وجدوه وَبِيلاً ، أي ثقيلاً ، استوبلتُ البلدَ ، أي استَوْخَمته واستثقلْته ، ولم يوافق مِزاجَك . ولا تخيسنَّ بعهدك ، أي لا تَغدِرنّ ، خاسَ فلانٌ بذمته ، أي غَدَر ونَكَثَ . «ولا تختلنّ عدوّك» ، أي لا تمكُرنّ به ، خَتْلته ، أي خدعتُه . وقوله : «أفضاه بين العباد» ، جعله مشتركا بينهم ، لا يختصّ به فريق دون فريق . قال : «ويستفيضون إلى جِواره» ، أي ينتشرون في طلب حاجاتهم ومآربهم ، ساكنين إلى جواره ، فإلى هاهنا متعلقة بمحذوف مقدّر ، كقوله تعالى : «في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْن» [١] ، أي مرسلاً . قال «فلا إدْغال» ، أي لا إفساد ، والدَّغَل : الفساد . ولا مُدالسة ، أي لا خديعة ، يقال : فلان لا يوالس ولا يُدالس ، أي لا يخادع ولا يخون ، وأصل الدّلس
[١] سورة النمل ١٢.