تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٠٠
. وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْض مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا ، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لاِءِشْرَافِ أَنْفُس الْوُلاَةِ عَلَى الْجَمْعِ ، وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ .
الشّرْحُ:
انتقل عليه السلام من ذكر العمّال إلى ذكر أرباب الخراج ودَهَاقين السّواد ، فقال : تفقّد أمرَهم ، فإنّ النّاس عيال عليهم ؛ وكان يقال : استوصُوا بأهل الخراج ؛ فإنّكم لا تزالون سمانا ما سَمِنُوا . وروي : «استحلاب الخراج» بالحاء . ثم قال : «فإن شكَوْا ثِقْلاً» ، أي ثقل طَسْق [١] الخراج المضروب عليهم ، أو ثقل وطأة العامل . «أو علّة» ، نحو أن يصيب الغلّةَ آفة كالجراد والبرق أو البرد . «أو انقطاع شرْب [٢] » بأن يَنقُص الماء في النهر ، أو تتعلق أرض الشّرب عنه لفقد الحَفْر . «أو بالّة» ، يعني المطر . «أو إحالة أرض اغتمرها غرق» ، يعني أو كوْن الأرض قد حالت ، ولم يحصل منها ارتفاع ؛ لأنّ الغرق غمرها وأفسد زَرْعها . «أو أجْحف بها عطش » ، أي أتلفها . فإن قلت : فهذا هو انقطاع الشّرب؟ قلت : لا ، قد يكون الشِّرب غير منقطع ، ومع ذلك يُجحِف بها العطش ، بأن لا يكفيها الماء الموجود في الشِّرب . ثم أمره أن يخفّف عنهم مَتَى لحقهم شيء من ذلك ؛ فإنّ التخفيف يُصْلح أُمورهم ، وهو وإن كان يُدْخِل على المال نقصا في العاجل إلاّ أنه يقتضي توفير زيادة في الآجل ؛ فهو بمنزلة التجارة التي لا بُدّ فيها من إخراج رأس المال وانتظار عوده وعود ربحه . قال : ومع ذلك فإنه يفضي إلى تزيين بلادك بعمارتها ، وإلى أنّكَ تَبْجح بين الولاة بإفاضة العدل في رعيّتك معتمدا فَضْلَ قُوّتهم . و «معتمدا» ، منصوب على الحال من الضّمير في «خَفّفت» الأُولى ، أي خَفّفت عنهم معتمدا بالتخفيف فضل قوّتهم . والإجمام : الترفيه . ثم قال له : وربما احتجتَ فيما بعد إلى تكلفهم بحادث يحدُث عندك المساعدة بمالٍ يقسطونه عليهم قرضا لك أو معونة محضة ؛ فإذا كانتْ لهم ثروة نهضوا بمثل ذلك ، طيّبة قلوبُهم به . فإن العمران محتمل ما حمّلته . ثم قال عليه السلام : «إنما تُؤتَى الأرض» ، أي إنما تُدْهَى
[١] في اللسان عن التهذيب : الطسق شبه الخراج له مقدار معلوم ؛ وليس بعربي خالص .[٢] الشِّرْب بالكسر : النصيب من الماء .