تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٠
قوله : «فكم من مهمٍّ من جوابه عرفه فعيّ عن ردّه !» ، نحو أن يكون له مالٌ مدفونٌ يُسأل عن حال ما يكون محتَضرا ، فيحاول أن يعرِّف أهلَه به فلا يستطيع ، ويعجز عن ردّ جَوابِهم ، وقد رأينا مَنْ عَجزَ عن الكلام فأشار إشارةً فهموا معناها ، وهي الدّواة والكاغَد ، فلمّا حضر ذلك أخذ القلم وكتب في الكاغد ما لم يُفْهَم ، ويده تُرْعَد . ثم مات . قوله : «ودعاءٍ مؤلمٍ لقلبه سمعه فتصامّ عنه» ، أظهر الصّمم ؛ لأنّه لا حيلة له . ثم وصف ذلك الدعاء فقال : «من كبير كان يعظّمه» ، نحو صُراخ الوالد على الولد والولد يسمع ولا يستطيع الكلام . «وصغير كان يرحمه» ، نحو صراخ الولد على الوالد ، وهو يسمع ولا قدرة له على جوابه . ثم ذكر غمرات الدنيا فقال : إنها أفظَع من أن تحيط الصفاتُ بها . وتستغرقُها ، أي تأتي على كُنْهِها ، وتُعبّر عن حقائقها . قوله : «أو تعتدل على عقول أهل الدنيا» ، هذا كلام لطيف فصيح غامض ، ومعناه أنّ غمرات الموت وأهواله عظيمة جدّا لا تستقيم على العقول ولا تقبلها إذا شرحت لها ووصفت كما هي على الحقيقة ، بل تنبو عنها ، ولا تصدق بما يقال فيها ، فعبّر عن عدم استقامتها على العقول بقوله : «أو يعتدل» ، كأنه جعلها كالشيء المعوجّ عند العقل ، فهو غير مصدّق به .
٢١٧
الأصْلُ:
.ومن كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته: «يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَتُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه ِ» [١] : إِنَّ اللّه َ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاَءً لِلْقُلُوبِ ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ ، وَتُبْصِرُ بِهِ
[١] سورة النور ٣٦ ، ٣٧ .