تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٩٦
العرف» ؛ من هاهنا زائدة ؛ وإن كانت في الإيجاب على مذهب أبي الحسن الأخفش ، أي جماع الكرم ، أي يجمعه كقوله النبي صلى الله عليه و آله وسلم : «الخمر جِمَاع الإثم» . والعُرْف : المعروف . وكذلك «من» في قوله : «وشعَب من العُرْف» أي وشُعب العُرْف ، أي هي أقسامه وأجزاؤه ، ويجوز أن تكون «من» على حقيقتها للتبعيض ، أي هذه الخلال جملة من الكرم وأقسام من المعروف ؛ وذلك لأنّ غيرها أيضا من الكرم والمعروف ، نحو العدل والعفّة . قوله : «ثم تفقَّدْ من أُمورهم» ، الضمير هاهنا يرجع إلى الأجناد لا إلى الأُمراء لما سنذكره ممّا يدلّ الكلام عليه . فإن قلت : إنه لم يَجْرِ للأجناد ذِكْرٌ فيما سبق ؛ وإنما المذكور الأُمراء! قلت : كلاّ بل سبق ذكر الأجناد ، وهو قوله : «الضعفاء والأقوياء» . وأمره عليه السلام أن يتفقّد من أُمور الجيش ما يتفقّد الوالدان من حال الوَلد ؛ وأمره ألاّ يعظِّم عنده ما يقوّيهم به وإن عظم ، وألاّ يستحقِر شيئا تعهّدهم به وإن قلّ ، وألاّ يمنعه تفقّدُ جسيم أُمورهم عن تفقد صغيرها . وأمره أن يكون آثر رؤوس جنوده عنده وأحظاهم عنده وأقربهم إليه مَنْ واساهم في معونته ؛ هذا هو الضمير الدالّ على أنّ الضمير المذكور أولاً للجُند لا لأُمراء الجند ؛ لولا ذلك لما انتظم الكلام . قوله : «من خُلُوف أهليهم» ، أي ممن يخلفونه من أولادهم وأهليهم . ثم قال : لا يصحّ نصيحة الجند لك إلاّ بحيطتهم على ولاتهم ، أي بتعطّفهم عليهم وتحنُّنَهم ، وهي الحِيطَة على وزن الشِّيمة ، مصدر حاطه يحوطه حَوْطا وحياطة ، وحِيطة ، أي كلأه ورعاه ، وأكثر الناس يروونها إلاّ «بحيِّطتهم» بتشديد الياء وكسرها ، والصحيح ماذكرناه . «وقلّة استثقال دُوَلهم » ، أي لا تصحّ نصيحة الجُنْد لك إلاّ إذا أحبُّوا أُمراءهم ثم لم يستثقلوا دُوَلهم ؛ ولم يتمنّوا زوالَها . ثم أمره أن يذكر في المجالس والمحافل بلاءَ ذوي البلاء منهم ؛ فإنّ ذلك مما يُرهِف عَزْم الشُّجَاع ويحرّك الجبان . قوله : «ولا تضمَّنَّ بلاءَ امرئٍ إلى غيره» ، أي اذكر كلَّ مَنْ أبلى منهم مفرَداً غير مضموم ذكرُ بلائه إلى غيره ، كي لا يكون مغمورا في جَنْب ذكر غيره . ثم قال له : لا تعظّم بلاء ذوِي الشرف لأجل شرفهم ، ولا تحقِر بلاء ذَوِي الضّعَة لضعة أنسابهم ، بل اذكر الأُمورَ على حقائقها . ثم أمره أن يردّ إلى اللّه ورسوله ما يُضلعه من الخطوب ، أي ما يؤوده ويُميله لثقَله ، وهذه الرواية أصحّ من رواية من رواها بالظّاء ؛ وإن كان لتلك وجه .