تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٧٠
رسولَ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم بالضوء الأول ، وشبّه منبع الأضواء والأنوار سبحانه وجلّت أسماؤه بالشمس الّتي توجب الضّوء الأوّل ثم الضوء الأول يوجب الضوء الثاني . وهاهنا نكتة ، وهي أنّ الضوء الثاني يكون أيضا علّة لضوءِ ثالث . وأمّا قوله : «والذراع من العَضُد» ؛ فلأنّ الذراع فرع على العَضُد ، والعضُد أصل ، ألا ترى أنّه لا يمكن أن يكون ذراع إلاّ إذا كان عضد ، ويمكن أن يكون عضد لا ذراع له . فشبّه عليه السلام نفسه بالنسبة إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمبالذّراع الذي العضد أصله وأُسّه ، والمراد من هذا التشبيه الإبانة عن شدّة الامتزاج والاتّحاد والقرب بينهما ؛ فإنّ الضوء الثاني شبيه بالضّوْء الأوّل ، والذراع متّصل بالعَضُد اتصالاً بيّنا ؛ وهذه المنزلة قد أعطاه إيّاها رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم في مقامات كثيرة نحو قوله في قصة براءة : « قد أُمِرت ألاّ يؤدى عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي» ، وقوله : «لتنتهُنّ يا بني وَلِيعة ، أو لأبعثنّ إليكم رجلاً منّي» ، أو قال : «عديل نفسي» ، وقد سمّـاه الكتاب العزيز «نفسَه» فقال : «وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ» [١] ، وقد قال له : «لحمك مختلط بلحمي ، ودمك مسُوط بدمي ، وشبرك وشبري واحد» . فإن قلت أمّا قوله : «لو تظاهرت العرب عليّ لما وليت عنها» فمعلوم ، فما الفائدة في قوله : «ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها» ؟ وهل هذا مما يفخر به الرؤساء ويعدّونه منقبة ؛ وإنما المنقبة أن لو أمكنته الفرصة تجاوز وعفا! قلت : غرضه أن يقرّر في نفوس أصحابه وغيرهم من العرب أنه يحارب على حقّ ، وأنّ حربه لأهل الشام كالجهاد أيام رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وأنّ من يجاهد الكفّار يجب عليه أن يُغْلِظ عليهم ، ويستأصل شأفتَهم . قوله : «وسأجهد في أن أطهّر الأرض» ، الإشارة في هذا إلى معاوية ، سمّـاه شخصا معكوسا ، وجسما مركوسا ، والمراد انعكاس عقيدته ، وأنها ليست عقيدة هدىً ، بل هي معاكسة للحقّ والصواب ، وسمّـاه مركوسا من قولهم : ارتكسَ في الضلال ، والرّكس ردّ الشيء مقلوبا ، قال تعالى : «واللّه ُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا» [٢] ، أي قلبهم وردّهم إلى كفرهم ، فلما كان تاركا للفطرة التي كلُّ مولود يُولد عليها ، كان مرتكسا في ضلاله . ولما كان معاوية عنده عليه السلام من أهل الشّقاوة ، سمّـاه معكوسا ومركوسا .
[١] سورة آل عمران ٦١ .[٢] سورة النساء ٨٨ .