تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٦٨
. وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ اليمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْص ، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ ـ أَوْ أَبِيِتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى ، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ : { وَحَسْبُكَ عَارا أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِـدِّ } أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : هذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؛ وَلاَ أُشَارِكَهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْش ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكلُ الطَّيِّبَاتِ ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ ، هَمُّهَا عَلَفُهَا ، أَوِ الْمُرْسَلَةِ ، شُغْلُهَا تَقَمُّمُهَا ، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا ، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا ، أَوْ أُتْرَكَ سُدىً ، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً ، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلاَلَةِ ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ!
الشّرْحُ:
قد روي : «ولو شئت لاهتديت إلى هذا العسل المصفّى ، ولباب هذا البُرّ المنقّى ؛ فضربت هذا بذاك ؛ حتى ينضج وقودا ، ويستحكم معقودا» . وروي : «ولعل بالمدينة يتيما تربا يتضوّر سغبا ، أأبيت مِبْطانا ، وحولي بطونٌ غَرْثى ، إذن يحضرني يوم القيامة ، وهم من ذكر وأُنثى» . وروي : «بطونُ غَرْثى» بإضافة «بطون» إلى «غرثى » . والقمح : الحنطة . والجشع : أشدّ الحرْص . والمبطان : الذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الأكل . فأما المبطن : فالضامر البطن ؛ وأمّا البطين ، فالعظيم البَطن لا من الأكل ؛ وأمّا البِطن ، فهو الّذي لا يهمّه إلاّ بطنُه ؛ وأمّا المبطون فالعليل البَطْن . وبطون غرثى : جائعة . والبِطْنة : الكِظّة ؛ وذلك أن يمتلئ الإنسان من الطعام امتلاءً شديدا ، وكان يقال : ينبغي للإنسان أن يجعل وعاء بطنه أثلاثا : فثلثٌ للطعام ، وثلث للشراب ، وثلث للنَّفَس . والتقمّم : أكل الشاة ما بين يديْها بمقمّتها أي بشفتها ؛ وكلّ ذي ظِلْف كالثور وغيره فهو ذو مقمّة . وتكترش من أعلافها : تملأ كِرشها من العَلف . قوله : «أو أجرّ حبلَ الضلالة» منصوب بالعطف على «يشغلني» ، وكذلك «أترك» ويقال : أجررتُه رَسَنَه ، إذا أهملته . والاعتساف : السلوك في غير طريق واضح . والمتاهة : الأرض يُتاه فيها ، أي يتحيّر .