تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٦٣
يتقلقل إذا حث ظهره واستعجل سيره .
الشّرْحُ:
يستزلّ لبّك ، يطلب زلله وخطأه ، أي يحاول أن تزلّ . واللبّ : العقل . ويستفلّ غَرْبك : يحاول أن يفلّ حدّك ، أي عزمك ، وهذا من باب المجاز . ثم أمَرَه أن يحذره ، وقال : إنه ـ يعني معاوية ـ كالشّيطان يأتي المرءَ من كذا ومن كذا ، وهو مأخوذ من قول اللّه تعالى : «ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهمْ وَلاَ تَجِدُ أكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ» [١] . قوله : «ليقتحم غفلته» ، أي ليلجَ ويهجم عليه وهو غافل ؛ جعل اقتحامه إياه اقتحاما للغِرّة نفسها لما كانت غالبةً عليه . ويستلب غرّته ، ليس المعنى باستلابه الغِرّة أن يرفعها ويأخذها ؛ لأنّه لو كان كذلك لصار ذلك الغافل المغتر فاقدا للغفلة والغِرّة ، وكان لبيبا فطنا ، فلا يبقى له سبيل عليه ، وإنما المعنى بقوله : «ويستلب غِرّته» ، ما يعنيه الناس بقولهم : أخذ فلانٌ غفلتي . وفعل كذا ، ومعنى أخذها هنا أخذ ما يستدلّ به على غفلتي وفلتة : أمرٌ وقع من غير تثبت ولا رويّة . ونَزْغَة : كلمة فاسدة ، من نزغات الشيطان ، أي من حركاته القبيحة التي يستفسد بها المكلفين . ولا يثبتُ بها نسب ، ولا يستحقّ بها إرث ؛ لأنّ المقرّ بالزنا لا يلحقه النسب ، ولا يرثه المولود ، لقوله صلى الله عليه و آله وسلم : «الولد للفراش ، وللعاهر الحجر» . ورَوَى أحمد بن يحيى البَلاذُريّ قال : تكلّم زياد ـ وهو غلام حَدَث ـ بحضرة عمر كلاماً أعجَب الحاضرين [٢] ، فقال عمرو بن العاص : للّه أبوه ! لو كان قرشيّا لساق العرب بعصاه ؛ فقال أبو سُفْيان : أما واللّه إنّه لقُرشيّ ، ولو عرفتَه لعرفتَ أنّه خير من أهلك ؛ فقال : ومَن أبوه؟ قال : أنا واللّه وضعتُه في رَحِم أمّه ، فقال : فهلاّ تستلحقه ؟ قال : أخاف هذا العيْرَ الجالسَ أن يَخرِق عليّ إهابي . ( يعني به عمر بن الخطاب ) . وقال الحسن البصريّ : ثلاث كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلاّ واحدة منهنّ لكانت موبقةً : انتزاؤهم على هذه الأُمّة بالسّفهاء حتى ابتزّها أمرها ؛ واستلحاقه زيادا مُراغَمةً لقول
[١] سورة الأعراف ١٧ .[٢] هذا المجلس عقد في قضية الشهادة على المغيرة بن شعبة بالزنا ، بعد أن أدى الشهود شهادتهم عليه ، ووصل دور زياد بن أبيه ، قال له واحد من الصحابة : إياك أن تفضح بلسانك واحداً من صحابة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، فقرر حينئذٍ كلاماً بليغاً ، أعجب الحاضرين . [معارج نهج البلاغة ، للبيهقي ٧٥٩] .