تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٥٦
.ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله أَهلِي رَجُلٌ أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفَسِي لِمُوَاسَاتِي وَمُوَازَرَتِي ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَيَّ ؛ فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلِبَ ، وَالْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ ، وَأَمَانَةَ النَّاس قَدْ خَزِيَتْ ، وَهذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ فُتِكَت وَشَغَرَتْ ، قَلَبْتَ لاِبْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الِْمجَنِّ ، فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ ، وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ ، وَخُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ ، فَـلاَ ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ ، وَلاَ الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ . وَكأنـّكَ لَمْ تَكُنِ اللّه َ تُرِيدُ بِجِهَادِكَ ، وَكأنـّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ ، وَكأنـّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ ، وَتَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فَيْئِهِمْ ، فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ الشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الأُمَّةِ أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ ، وَعَاجَلْتَ الْوَثْبَةَ ، وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَأَيْتَامِهِمُ ، اخْتِطَافَ الذِّئْبِ الْأَزَلِّ دَامِيَةَ الْمِعْزَى الْكَسِيرَةَ ، فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَازِ رَحِيبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ غَيْرَ مُتَأَثِّمٍ مِنْ أَخْذِهِ ، كَأَنَّكَ ـ لاَ أَبَا لِغَيْرِكَ ـ حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَكَ مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ . فَسُبْحَانَ اللّه ِ ! أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ ؟ أَوَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ ؟ أَيُّهَا الْمَعْدُودُ - كَانَ - عِنْدَنَا مِنْ أُولِي الألْبَابِ ، كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَطَعَاماً ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً ، وَتَشْرَبُ حَرَاماً ، وَتَبْتَاعُ الاْءِمَاءَ وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ ، الَّذِينَ أَفَاءَ اللّه ُ عَلَيْهِمْ هذِهِ الْأَمْوَالَ ، وَأَحْرَزَ بِهِمْ هذِهِ الْبِلاَدَ! فَاتَّقِ اللّه َ وَارْدُدْ إِلَى هؤلاَءِ الْقَوْمِ مَوَالَهُمْ ، فإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللّه ُ مِنْكَ ، لَأُعْذِرَنَّ إِلَى اللّه ِ فِيكَ ، وَلَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ ! وَوَاللّه ِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فعَلاَ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ ، وَلاَ ظَفِرَا مِنِّي بَإِرَادَةٍ ، حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا ، وَأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا . وَأُقْسِمُ بِاللّه ِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلاَلٌ لِي ، أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي ؛ فَضَحِّ رُوَيْداً ، فَكَأَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى ، وَدُفِنْتَ تَحْتَ الثَّرَى ،