تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٤٣
.ومن كتاب له عليه السلام إلى قُثَم بن العبّاس وهو وَلاَ عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاً ، وَالسَّلاَمُ [١] .
الشّرْحُ:
كان معاوية قد بعث إلى مكّة دعاة في السرّ يدعون إلى طاعته ، ويثبّطون العرب عن نصرة أميرِ المؤمنين ، ويوقعون في أنفسهم أنه إمّا قاتلٌ لعثمان أو خاذل ، وإنّ الخلافة لا تصلح فيمن قتل أو خذل ، وينشرون عندهم محاسن معاوية ـ بزعمهم ـ وأخلاقه وسيرته ، فكتب أميرُ المؤمنين عليه السلام هذا الكتاب إلى عامله بمكّة ، ينبّهه على ذلك ليعتمد فيه بما تقتضيه السياسة ، ولم يصرح في هذا الكتاب بماذا يأمره أن يفعل إذا ظفر بهم . قوله : «عيني بالمغرب» ، أي أصحاب أخباره عند معاوية ، وسمّى الشام مغربا ؛ لأنّه من الأقاليم المغربية . والموسم : الأيام التي يقام فيها الحج . «ويحتلبون الدنيا دَرّها بالدّين» دلالة على ما قلنا : إنّهم كانوا دُعاة يظهرون سَمْت الدين ، وناموس العبادة ، وفيه إبطال قول مَنْ ظنَّ أنْ المراد بذلك السّرايا التي كان معاوية يبعثها ، فتُغِيرُ على أعمال عليّ عليه السلام . ودرَّها منصوب بالبدل من «الدنيا» ، وروي : «الذين يلتمسون الحق بالباطل» ، أي يطلبونه ؛ أي يتبعون معاوية وهو على الباطل التماسا وطلبا للحقّ ، ولا يعلمون أنهم قد ضلوا . قوله : «وإيّاك وما يعتذرُ منه» من الكلمات الشريفة الجليلة الموقع ، وقد رويت مرفوعة ، وكان يقال : ما شيء أشدّ على الإنسان من حمْل المروءة ، والمروءة ألاّ يعمل الإنسان في غيبة صاحبه ما يُعتذَر منه عند حضوره . «ولا تكن عند النعماء بطراً ، ولا عند البأساء فشلاً» معنىً مستعمل ، قال الشاعر : { فلستُ بمفراح إذا الدّهر سرّنِي ولا جازعٌ من صَرْفه المتقلّبِ } { ولا أتمنى الشرّ والشرّ تاركي ولكن مَتَى أُحمَل على الشّر أركبِ }
[١] الكُمْه : جمع أكمه ، وهو من ولد أعمى . الدَّر : اللبن . النعماء : الرخاء والسعة . البطر : الشديد الفرح مع ثقة بدوام النعمة .