تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٢٩
وإن كان طعم اليأس مُرّا فإنّهُ ألذّ وأحْلَى من سؤال الأراذِلِ ورابعها ـ قوله : «الحِرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور» ، والحرْفة بالكسر مثل الحُرف بالضمّ ، وهو نقصان الحظ وعدم المال . ومنه قوله : «رجل محارَف» ، بفتح الراء ، يقول : لأنّ يكون المرء هكذا وهو عفيف الفَرْج واليد ، خير من الغنى مع الفجور ؛ وذلك لأنّ ألم الحرفة مع العفة ومشقّتها إنما هي في أيام قليلة وهي أيام العمر ، ولذّة الغنى إذا كان مع الفجور ، ففي مثل تلك الأيام يكون ؛ ولكن يستعقب عذاباً طويلاً ، فالحال الأُولى خيرٌ لا محالة . وأيضا ففي الدنيا خير أيضا للذكر الجميل فيها ، والذكر القبيح في الثانية ، وللمحافظة على المروءة في الأُولى وسقوط المروءة في الثانية . وخامسها ـ قوله : «المرء أحفظ لسرّه» ، أي الأوْلى ألاّ تبوح بسرّك إلى أحد ، فأنت أحفظ له من غيرك ؛ فإن أذعتَهُ فانتشر فلا تَلُمْ إلاّ نفسك ؛ لأنك كنت عاجزا عن حفظ سرّ نفسك ، فغيرك عن حفظ سرّك وهو أجنبيٌّ أعجز . وسادسها ـ قوله : «رُبَّ ساع فيما يضرّهُ» ، قال عبد الحميد الكاتب في كتابه إلى أبي مسلم : لو أراد اللّه بالنملة صلاحا ، لما أنبت لها جَناحا . وسابعها ـ قوله : «من أكثر أهجر» يقال : أهجر الرجل ؛ إذا أفحش في المنطق السوء والخنا . وهذا مثل قولهم : مَنْ كثر كلامه كثر سَقَطه . وثامنها ـ قوله : «مَنْ تفكّر أبصرَ» ؛ قالت الحكماء : الفكر تحديق العقل نحو المعقول ، كما أنّ النظر البصريّ تحديق البصر نحو المحسوس ، وكما أنّ من حدّق نحو المبصر وحدقته صحيحة والموانع مرتفعة لابدّ أن يبصره ؛ كذلك من نظر بعين عقله ، وأفكر فكراً صحيا ، لابدّ أن يدرك الأمر الذي فكّر فيه ويناله . وتاسعها ـ قوله : «قارن أهلَ الخير تكن معهم ، وباين أهل الشرّ تَبِنْ عنهم» ، كان يقال : حاجبك وجهك ، وكاتبك لسانك ، وجليسك كلّك . عن المرء لا تسألْ وسلْ عن قرينهِ فكلّ قَرينٍ بالمُقارِن مُقْتَدِ وعاشرها ـ قوله : «بئس الطعام الحرام» ، هذا من قوله تعالى : «إنَّ الذِينَ يأْكُلونَ أمْوالَ اليَتَامى ظُلْما إنَّمَا يأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارا وَسيَصْلَوْنَ سَعِيرا» [١] .
[١] سورة الإسراء ٢٩ .[٢] سورة النساء ١٠ .[٣] ديوانه ١٣ .[٤] سورة التوبة ١٠٢ .