تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٢٤
. ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفاتِيحَ خَزائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلتِهِ ؛ فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ ، وَاسْتَمْطَرْتَ شآبِيبَ رَحْمَتِهِ ، فَلاَ يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ ، وَرُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الاْءِجَابَةُ ، لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الآمِلِ . وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَـلاَ تُؤتَاهُ ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أَوْ آجِلاً ، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلاَكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ ، فَلْتَكُنْ مَسَأَلَتُكَ فِيَما يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ ، وَيُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ ؛ فَالْمَالُ لاَ يَبْقَى لَكَ وَلاَ تَبْقَى لَهُ .
الشّرْحُ:
قوله : «بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة» ، هذا متَّفق عليه بين أصحابنا ، وهو أنّ تارك القبيح ؛ لأنّه قبيح يستحقّ الثواب . «وحسب سيئتك واحدة وحسب حسنتك عشراً» ؛ هذا إشارة إلى قوله تعالى : «مَنْ جَاءَ بِالحَسَنةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا» [١] . قوله : «وأبثثته ذات نفسك» ، أي حاجتك . ثم ذكر له وجوهاً في سبب إبطاء الإجابة : منها أنّ ذلك أمر عائد إلى النيَّة ، فلعلَّها لم تكن خالصة . ومنها أنه ربما أخرت ليكون أعظم لأجر السائل ؛ لأنّ الثواب على قدر المشقة . ومنها أنّه ربما أخّرت ليعطى السائل خيرا مما سأل ، إمّا عاجلاً أو آجلاً ؛ أو في الحالين . ومنها أنه ربّما صرف ذلك عن السائل ؛ لأنّ في إعطائه إيّاه مفسدة في الدين . قوله : «فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له» ، لفظ شريف فصيح ، ومعنى صادق محقّق فيه عظة بالغة ؛ وقال أبو الطيب : أيْنَ الجبابرةُ الأكاسرَة الأُلَى كنزُوا الكُنوز فما بَقِينَ وَلاَ بَقُوا [٢] ويروى : «من يحجبه عنك» . وروي : «حيث الفضيحة» ، أي حيث الفضيحة موجودة منك.
[١] سورة الأنعام ١٦٠ .[٢] ديوانه ٢ : ٣٣٤ .