تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٢٠
إهمال ذلك إلى السّفه واستفساد المكلّفين ، وذلك لا يجوز ؛ ولكنا ما أتانا رسول يدعو إلى إثبات ثانٍ في الإلهيّة فبطل كون القول بالتوحيد ضلالاً ، وإذا لم يكن ضلالاً كان حقاً ؛ فنقيضه وهو القول بإثبات الثاني باطل . الوجه الثاني : أنه لو كان في الوجود ثانٍ للقديم تعالى لوجب أن يكون لنا طريقٌ إلى إثباته ، إمّا من مجرد أفعاله ، أو من صفات أفعاله ، أو من صفات نفسه ، أو لا من هذا ولا من هذا ، فمن التوقيف . وهذه هي الأقسام التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأنّ قوله : «أتتك رسله» هو التوقيف ، وقوله : «ولرأيت آثار ملكه وسلطانه» هي صفات أفعاله ، وقوله : « ولعرفت أفعاله وصفاته» هما القسمان الآخران . أما إثبات الثاني من مجرّد الفعل فباطل ؛ لأنّ الفعل إنما يدلّ على فاعل ولا يدلّ على التعدّد ، وأمّا صفات أفعاله وهي كون أفعاله محكمة متقنة ، فإن الإحكام الذي نشاهده إنّما يدل على عالم ولا يدلّ على التعدّد ، وأمّا صفات ذات الباري فالعلم بها فرع على العلم بذاته ، فلو أثبتنا ذاته بها لزم الدور . وأمّا التوقيف فلم يأتنا رسول ذو معجزة صحيحة يدعونا إلى الثاني ؛ وإذا بطلت الأقسام كلّها ، وقد ثبت أن ما لا طريق إلى إثباته لا يجوز إثباته بطل القول بإثبات الثاني . ثم قال : «لا يضادّه في مُلْكه أحد» ، ليس يريد بالضدّ ما يريده المتكلّمون من نفي ذات هي معاكسة لذات الباري تعالى في صفاتها ، كمضادّة السواد للبياض ، بل مراده نفي الثاني لا غير ، فإنّ نفي الضدّ بحث آخر لا دخول له بين هذا الكلام . ثم ذكر له أنّ الباري تعالى قديم سابق للأشياء ، لا سبْقا له حدّ محدود ، وأول معيّن ، بل لا أوّل له مطلقا . ثم قال : وهو مع هذا آخر الأشياء ، آخرية مطلقة ليس تنتهي إلى غاية معينة . ثم ذكر أنّ له ربوبيّة جلّت عن أن تحِيط بها الأبصار والعقول .
الأصْلُ:
.يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا ، وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا ، وَأَنْبَأتُكَ عَنِ الآخِرَةِ وَمَا اُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا ، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا ، وَتَحْذُوَ عَلَيْهَا . إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ ، نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ ، فأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً