تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢١٨
أن يستوفي البعض ويسقط البعْض ، وقد روي «أو بما شاء» بالباء الزائدة ، وروي «بما لا يعلم » . وأمّا الثواب فلا يجوز أن يجازي به المحسن في الدّنيا ؛ لأنّه على صفة لا يمكن أن تجامع التكليف ، فيحمل لفظ الجزاء على جزاء العقاب خاصة . ثم أعاد عليه السلام وصيته الأولى ، فقال : وإن أشكل عليك شيء من أمر القضاء والقَدر ، وهو كون الكافر مخصوصا بالنعماء والمؤمن مخصوصا بضرب من الابتلاء ، وكون الجزاء قد يكون في المعاد ، وقد يكون في غير المعاد ، فلا تقدحنّ جهالتك به في سكون قلبك إلى ما عرفتك جملته ، وهو أنّ اللّه تعالى هو المحيي المميت ، المفني المعيد ، المبتلي المعافي ، وأنّ الدنيا بنيت على الابتلاء والإنعام ، وأنهما لمصالح وأُمور يستأثر اللّه تعالى بعلمها ، وأنه يجازي عباده إمّا في الآخرة أو غير الآخرة ، على حسب ما يريده ويختاره . ثم قال له : إنما خلقت في مبدأ خلقتك جاهلاً ، فلا تطلبن نفسك غاية من العلم لا وصول لها إليها ، أو لها إليها وصول بعد أُمور صعبة ، ومتاعب شديدة ، فمن خلق جاهلاً حقيق أن يكون جهله مدّة عمره أكثر من علمه استصحابا للأصل . ثم أراد أن يؤنسه بكلمة استدرك بها إيحاشه ، فقال له : وعساك إذا جهلت شيئا من ذلك أن تعلمه فيما بعد ، فما أكثر ما تجهل من الأُمور وتتحير فيه ، ثم تبصره وتعرفه ! وهذا من الطِّبّ اللطيف ، والرُّقَى الناجعة ، والسحر الحلال .
الأصْلُ:
.فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ . وَاعْلَمْ يَابُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللّه ِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ نَبيُّنا صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ؛ فَارْضَ بِهِ رَائِداً ، وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً ، فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً ، وَإِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ - وَإِنِ اجْتَهَدْتَ - مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ .
الشّرْحُ:
عاد إلى أمره باتّباع الرسول صلى الله عليه و آله وسلم ، وأن يعتمد على السمع وما وردت به الشريعة ، ونطق به الكتاب ، وقال له : إنّ أحدا لم يخبر عن اللّه تعالى كما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه و آله وسلم ؛ وصدق عليه السلام ! فإنّ