تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢١٤
الشّرْحُ:
هذا الفصل وما بعده يشعر بالنّهي عن علم الكلام حسب ما يقتضيه ظاهر لفظه ، ألا تراه قال له : كنت عازما على أن أعلِّمك القرآن وتفسيره والفقه وهو المعرفة بأحكام الشريعة ، ولا أجاوز ذلك بك إلى غيره ، ثم خفت أنْ تدخل عليك شبهة في أُصول الدين فيلتبس عليك في عقيدتك الأصلية ما التبس على غيرك من الناس ، فعدلتُ عن العزم الأوّل إلى أن أوصيك بوصايا تتعلّق بأصول الدين . ومعنى قوله عليه السلام : «وكان إحكام ذلك» إلى قوله : «لا آمن عليك به الهلكة» ، أي فكان إحكامي الأمورَ الأصليّة عندك وتقرير الوصيّة التي أوصيك بها في ذهنك فيما رجع إلى النظر في العلوم الإلهية ؛ وإن كنت كارها للخوض معك فيه وتنبيهك عليه أحبّ إليّ من أن أتركك سدىً مهملاً ، تتلاعب بك الشّبَه ، وتعتورك الشكوك في أُصول دينك ، فربّما أفضى ذلك بك إلى الهَلكة [١] . قوله عليه السلام : «قد عَمِرتُ مع أولهم إلى آخرهم» العين مفتوحة والميم مكسورة مخففة ، تقول : عمر الرجل يعمر عمرا وعُمراً على غير قياس ؛ لأنّ قياس مصدره التحريك أي عاش زماناً طويلاً ، واستعمل في القسم أحدهما فقط ، وهو المفتوح . قوله عليه السلام : «حيث عناني من أمرك» ، أي أهمّني ، قال : * عَنَاني مِنْ صُدُودِكَ مَاعَنَاني * قوله : «وأجمعت عليه» ، أي عزمت . ومقتبل الدهر ، يقال : اقتبل الغلام فهو مقتَبل بالفتح وهو من الشواذّ ، ومثله أحصن الرجل إذا تزوج فهو مُحصَن ، وإذا عفّ فمحصَن أيضا ، وأسهب إذا أطال الحديث فهو مسهَب ، وألفج إذا افتقر فهو ملفَج ؛ وينبغي أن يكون له من قوله : « تنبيهك له» بمعنى «عليه» ، أو تكون على أصلها ، أي ما كرهت تنبيهك لأجله . فإن قلت : إلى الآن ما فسّرتَ ، لماذا كره تنبيهه على هذا الفنّ؟ قلت : بلى قد أشرت إليه ؛ وهو أنه كره أن يعدل به عن تفسير القرآن وعلم الفقه إلى
[١] الصحيح أن وجه كراهة الإمام عليه السلام هو لتنبيه ولده أن يخلص ذهنه للنظر في معاني القرآن ، والأحكام الشرعية ، والمعرفة الشرعية الحاصلة بالفطرة . وهذا هو الأهم . وواضح لكل منصف أن هذه الوصية الخالدة ، وإن كانت مصدّرة إلى الإمام الحسن عليه السلام لكبر سنه ، ولكونه عظيم أهله ، لكنها في الحقيقة موجهة لسائر المؤمنين إلى يوم القيامة . وأمّا توجيه الخطاب إلى الأكبر والأجل والرئيس ، عادة جرى عليها العقلاء ، وورد بها القرآن ، وجرت عليها سنّة النبيّ الأقدس صلى الله عليه و آله وسلم في وصاياه .