تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢١٢
بأن يطلب الخيرَة من اللّه فيما يأتي ويذر . قوله : «لا خير في علم لا ينفع» قول حقّ ، لأنّه إذا لم ينفع كان عبثا . «ولا ينتفع بعلم لا يحقُّ تعلمه» أي لا يجب ولا يندب إليه ؛ وذلك لأنّ النفع إنما هو نفع الآخرة ، فما لم يكن من العلوم مرغباً فيه إمّا بإيجاب أو ندب فلا انتفاع به في الآخرة ، وذلك كعلم الهندسة والأرثماطيقيّ ونحوهما .
الأصْلُ:
.أَيْ بُنَيَّ ، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً ، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً ، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ ، وَأَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي ، أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي ، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا ، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ . وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْض الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيءٍ قَبِلَتْهُ ؛ فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُو قَلْبُكَ ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ ، لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤونَةَ الطَّلَبِ ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلاَجِ التَّجْرِبَةِ ، فَأَتَاكَ مِنْ ذلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأتِيهِ ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ .
الشّرْحُ:
هذه الوصيّة كتبها عليه السلام للحسن بعد أن تجاوز الستين ، وروي أنه ذُكر عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمما بين الستّين والسبعين ، فقال : «معترك المنايا» . قوله عليه السلام «أو أن أُنقص في رأيي» ، هذا يدلّ على بطلان قول من قال : إنّه لا يجوز أن ينقص في رأيه ، وأن الإمام معصوم عن أمثال ذلك [١] .
[١] عقيدتنا في الامام عليه السلام أنّه كالنبي صلى الله عليه و آله وسلم يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن ، بل المنقّصات المنفّرة ، وغلبات الهوى ... الخ من سنّ الطفولة إلى الموت عمدا وسهوا ، خطأ ونسيانا . لأنّ الإمام حافظ الشريعة ، حاله حال النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، قائم مقامه في جميع شؤونه إلاّ تلقي الوحي . وليس المراد (بنقصان الرأي) هنا فساد العقل ، بل كلّ ما يحول بين المرء والتعبير عن رأيه . كما أن الإمام لا يغلبه الهوى ، ولا تفتنه الدنيا ، كيف والإمام عليه السلام طلّقها ثلاثا قولاً وعملاً . ولكن هذا من باب هظم النفس والتواضع الذي عرف به عليه السلام وهي لغة القدّيسين وأولياء اللّه سبحانه ، ومن قبله قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «وإنّا أو إيّاكم لعلى هُدًى أو في ضلال مبين» سبأ ٢٤ . وقال نوح عليه السلام : «وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين» هود ٤٧ . ولكن ابن أبي الحديد يؤوّل النصوص بحسب هواه ، ومذهب أصحابه .