تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٠٨
. ـ دُونَ هُمُومِ النَّاس ـ هَمُّ نَفْسِي ، فَصَدّقَنِي رَأيِي ، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ ، وَصَرَّحَ لِيمَحْضُ أَمْرِي ، فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لاَ يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ ، وَصِدْقٍ لاَ يَشُوبُهُ كَذِبٌ . وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي ، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي ، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي ، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي ، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِيني مِنْ أَمْرِ نَفْسِي ، فكَتَبْتُ إِليْكَ كِتَابِي مُسْتظْهِراً بِهِ إِنْ أَنا بَقِيْتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ .
الشّرْحُ:
يزعني : يكفّني ويصدّني ، وزعتُ فلانا ، ولابدّ للناس من وَزَعة . وسِوى ، لفظة تقصَر إذا كسرت سينها ، وتمدّ إذا فتحتها ؛ وهي هاهنا : بمعنى غير . ومَنْ قبلها بمعنى شيء منكّر . والتقدير غير ذكر إنسان سواي ، ويجوز أن تكون «مَنْ» موصولة ، وقد حذف أحد جزأيِ الصلة ، والتقدير عن ذكر الذي هو غيري ، كما قالوا في : «لَنَنْزِعَنَّ منْ كُلِّ شِيعةٍ أيُّهُمْ أَشَدُّ» ، أي هو أشدّ . يقول عليه السلام : إن في ما قد بان لي من تنكّر الوقت وإدبار الدنيا وإقبال الآخرة شاغلاً لي عن الاهتمام ، بأحد غيري ، والاهتمام والفكر في أمر الولد وغيره ممن أخلفه ورائي . ثم عاد فقال : إلاّ أنّ همّي بنفسي يقتضي اهتمامي بك ؛ لأنّك بعضي بل كلِّي ، فإن كان اهتمامي بنفسي يصرفني عن غيري لم تكن أنت داخلاً في جملة مَنْ يصرفني همّي بنفسي عنهم ؛ لأنّك لست غيري. فإن قلت : أفهذا الهمّ حدَث لأمير المؤمنين عليه السلام الآن ، أو من قبل لم يكن عالما بأن الدنيا مدبرة ، والآخرة مقبلة؟ قلت : كلاّ بل لم يزل عالما عارفا بذلك ، ولكنه الآن تأكد وقوى ، بطريق علوّ السنّ وضعف القُوَى ، وهذا أمر يحصل للإنسان على سبيل الإيجاب ، لابدّ من حصوله لكلّ أحد ، وإن كان عالما بالحال من قبل ؛ ولكن ليس العِيان كالخبر . قوله : «تفرّد بي دون هموم الناس همّ نفسي» ، أي دون الهموم التي قد كانت تعتريني لأجل أحوال الناس . فصدّقني رأيي ؛ يقال : صدقته كذا أي عن كذا ، وفي المثل : «صدقني سنّ بكره» ؛ لأنّه لما نفر قال له : هِدَعْ ، وهي كلمة يسكّن بها صغار الإبل إذا نفرت ؛ والمعنى