تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٠٢
وبطانته وأنصاره ؛ لأنهم كانوا يعتقدون إمامة الشَّيخين ؛ إلاّ القليل الشاذّ من خواصّ الشِّيعة ، فلما كَتَب ذلك الكتابَ مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يُغضب عليّاً ويُحرِجَه ويُحوِجَه إذا قرأ ذكر أبي بكر ، وأنه أفضل المسلمين ، إلى أن يَخلِط خطه في الجواب بكلمةٍ تقتضي طعنا في أبي بكر ، فكان الجواب مُجَمْجَما غير بيّن ، ليس فيه تصريح بالتّظليم لهما ، ولا التّصريح ببراءتهما ، وتارةً يترحّم عليهما ، وتارةً يقول : أخَذَا حقّي وقد تركته لهما ، فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتاباً ثانياً مناسباً للكتاب الأوّل ليستفزّا عليّاً عليه السلام ويستخِفّاه ، ويحمله الغَضَب منه أن يكتب كلاماً يتعلّقان به في تقبيح حاله وتَهْجين مذهبه . وقال له عمرو : إنّ عليَّاً رجل نَزِق تَيّاه ، وما استطعمت منه الكلامَ بمثل تقريظ أبي بكر وعمر ، فاكتب . فكتب كتاباً أنفَذَه إليه مع أبي أُمامة الباهليّ ، وهو من الصحابة ، بعد أن عزم على بعثته مع أبي الدَّرداء .
٢٩
الأصْلُ:
.ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرة وَقَدْ كَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَشِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبُوْا عَنْهُ ، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ ، وَرَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ ، وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ ، فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ الْمُرْدِيَةُ ، وَسَفَهُ الآرَاءِ الْجَائِرَةِ ، إِلَى مُنَابَذَتِي وَخِلاَفِي ، فها أنا ذا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي ، وَرَحَلْتُ رِكَابِي . وَلَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأَوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لاَ يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلاَّ كَلَعْقَةِ لاَعِقٍ ؛مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ ، وَلِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ ، غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيءٍ ، وَلاَ ناكِثاً إِلَى وَفِيٍّ [١] .
[١] انتشار حبلكم: تفرّقكم. شقاقكم: عداوتكم وخلافكم. المردية: المهلكة. سفه الآراء: ضعفها. المنابذة: المخالفة.