تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٩٨
«فذكرتَ أمْراً إن تَمّ اعتَزَلَك كله ، وإن نَقَص لم يَلْحَقْك ثَلمُهُ» . * وما أنتَ من قيس فَتنبَح دونها * هو معنى قولِ عليّ عليه السلام لمعاوية : «فذكرتَ أمْراً إن تمّ اعتَزلَك كلّه» . قوله عليه السلام : «وما أنتَ والفاضلَ والمفضولَ» ، الرّواية المشهورةُ بالرّفع ، وقد رواها قوم بالنَصْب . ثم قال : «وما للطُّلقَاء وأبناءُ الطُّلَقاء» والتمييزَ النّصبُ هاهنا لا غير ، لأجل اللام في الطلقاء . ثم قال عليه السلام : بين المهاجرين الأوَّلين وترتيب درجاتهم ، وتعريف طبقاتهم ، هذا الكلامُ ينقُض ما يقول من يطعن في السَّلف ، فإنّ أمير المؤمنين عليه السلام أنكَرَ على معاوية تعرّضَه بالمفاضلة بين أعلام المهاجرين ، وأنّ قَدْرَ معاوية يصغر أن يُدخل نفسَه في مِثل ذلك . قوله عليه السلام : «هيهات ، لقد حنَّ قِدْحٌ ليس منها» هذا مَثَلٌ يُضرَب لمن يُدخل نفسه بين قوم لَيس له أن يَدخُل بينهم ؛ وأصله القِداح من عودٍ واحد يجعَل فيها قَدَح من غَيْر ذلك الخشَب ، فيصوّت بينها إذا أرادها المفِيض ، فذلك الصوتْ هو حنينُه . «وطفِق يحكُم فيها مَنْ عليه الحُكم لها» ، أي وطفِق يحكُم في هذه القصّة أو في هذه القضيّة مَنْ يجب أن يكون الحكْم لها عليه لا له فيها ؛ ويجوز أن يكون الضمير يرجع إلى الطّبقات . ثم قال : «ألا تَربَع أيّها الإنسان على ظلْعك !» ، أي ألا تَرْفُق بنفْسك وتَكَفّ ، ولا تحمِل عليها ما لا تطيقُه ، والظلْع : مَصدَرُ ظَلَع البعيرُ يظلَع أي غمز في مشْيه . «وتعرِف قُصورَ ذرْعك» ، أصل الذرْع بَسْط اليد ؛ يقال : ضِقتُ به ذرْعا ، أي ضاق ذرْعي به . فنَقلوا الاسمَ من الفاعلية فجعلوه منصوبا على التمييز ؛ كقولهم : طبت به نفسا . «وتتأخّر حيث أخّرك القَدر» ، مِثل قولِك : ضع نفسَك حيث وضعَها اللّه ؛ يقال ذلك لمنْ يرفع نفسَه فوق استحقاقه . ثم قال : «فما عليك غَلبة المغلوب ، ولا عليك ظفرُ الظّافر» . يقول : وما الّذي أدخَلكَ بيني وبين أبي بكر وعمرَ ، وأنتَ من بني أُميّة ، لستَ هاشميّا ولا تيميّا ولا عدويّا هذا فيما يرجع إلى أنسابنا ، ولستَ مُهاجِرا ولا ذا قَدَم في الإسلام فتزاحِم المهاجرين وأربابَ السّوابق بأعمالِك واجتهادك ، فإذَنْ لا يضرّك غَلَبة الغالب منّها ، ولا يسرّك ظفر الظافر . «وإنّك لذهّابٌ في التّيه ، روّاغ عن القَصْد» ، يحتمل قوله عليه السلام في التِّيه معنَييْن : أحدُهما بمعنى الكِبر ، والآخر التِّيه ، من قولك : تاه فلان في البَيْداء . ومنه قوله تعالى : «فإنّها مُحرَّمة عَلَيْهم أرْبعين سَنةً يتيهُون في الأرض» [١] ؛ وهذا الثاني أحسَنُ يقول : إنّك شديد الإيغال في
[١] سورة المائدة : ٢٦ .[٢] إنّما ينزّه أمير المؤمنين عليه السلام عن ذكره لهما ، إذا ثبت بالدليل القاطع براءتهما من الميل إلى الدنيا ، كيف ؟ وقد ثبت ذلك دون أدنى شك ، أنّهم خالفا النصّ ميلاً إلى الدنيا ، وما يقال إنهما تركا الدنيا فإنما كان من أجل الدنيا فيكون تنزيهه عن ذكرهما إهمالاً لهما منه . والاّ فكما ذكر معاوية عثمان في كتابه ذكرهما فيه ، وكان أشار بذكرهما إغضابا له عليه السلام بما يكون أنشد من ذكر عثمان . فمعاوية كتب إليه عليه السلام إشارة من عمرو بن العاص : «فكان أفضلهم مرتبة ، وأعلاهم عند اللّه والمسلمين منزلة الخليفة الأول ، الذي جمع الكلمة ، ولمّ الدعوة ، وقاتل أهل الردة ، ثم الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح ومصّر الأمصار ، وأذل رقاب المشركين ... وما يوم المسلمين منك بواحد لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه ، ورمت إفساد أمره وقعدت في بيتك ... ثم كرهت خلافة عمر وحسدته ، واستبطأت مدته ، وسررت بقتله وأظهرت الشماتة بمصابه ... إلى آخر الكتاب» . وأمّا قول ابن أبي الحديد : «أن تصرف هذه الكلمة إلى عثمان» فبعيد جدا ؛ لأنّ المذكور في رسالة معاوية لم يكن عثمان وحده كما هو واضح .