تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٩٢
قوله : «فإنَّه يأتي بأمرٍ عظيم ، وخطب جليل ، بخيْرٍ لا يكون معه شرٌّ أبداً وشرٍّ لا يكون معه خيرٌ أبدا» ، نصّ صريح في مذهب أصحابنا في الوعيد ، وأنّ من دخل النار من جميع المكلَّفين فليس بخارج ، لأنّه لو خرج منها لكان الموتُ قد جاءه بشرٍّ معه خير ، وقد نَفى نفيا عامّاً أن يكون مع الشرّ المعقب للموت خير البتّة . «من عاملها» ، أي من العامل لها . قوله : « طُردَاء الموت» ، جمع طَريد ، أي يطردكم عن أوطانكم ويُخرجكم منها ، لابد من ذلك ، إن أقمتمْ أخَذَكم ، وإن هَرَبتم أدرَكَكم . قوله : «ألزَم لكم من ظِلّكم» ، لأنّ الظلّ لا تصح مفارَقته لذى الظلّ ما دام في الشمس ، وهذا من الأمثال المشهورة . «معقودٌ بنَواصيكم» ، أي ملازِمٌ لكم ، كالشيء المعقود بناصية الإنسان أين ذهب ذهب معه . «والدنيا تُطوَى مِن خلفِكم » . مِن كلام بعض الحكماء : الموتُ والناس كسطورٍ في صحيفة يقرؤها قارئٌ ويَطوي ما يقرأ ، فكلّما ظهر سطرٌ خفِيَ سطر . ثم أمره عليه السلام بأن يَجمَع بين حُسن الظّن باللّه وبين الخوف منه ، وهذا مَقامٌ جليل لا يصل إليه إلاّ كلُّ ضامرٍ مهزول . ثم قال : «ولّيتُك أعظمَ أجنادي» ، يقال للأقاليم والأطراف : أجناد ، تقول : وَلِيَ جُندَ الشام ، ووَلِيَ جند الأُرْدُنّ ، وولي جندَ مِصرَ . قوله : «فأنت محقوق» ، كقولك حَقِيق وجَدِير وخَلِيق ، قال الشاعر : { وإني لَمحقوقٌ بألاّ يَطولَني نَداهُ إذا طاوَلْتُه بالقصائدِ } وتُنافِح : تُجالِد ، نافحتُ بالسيف أي خاصمتُ به . قوله : «ولو لم يكن إلاّ ساعة من الدَّهْرِ» ، المراد تأكيد الوَصاة عليه أن يخالِف على نفسه ، وألاّ يتّبع هَواها ، وأن يُخاصِم عن دِينه ، وأن ذلك لازمٌ له ، وواجبٌ عليه ، ويلزم أن يفعله دائما فإن لم يستطع فليفعلْه ولو ساعة من النهار ، وينبغي أن يكون هذا التقييد مصروفا إلى المنافحة عن الدِّين . قال : «ولا تُسخِط اللّه َ برضى أحد من خلقِه ، فإنّ في اللّه خَلَفاً من غيرِه ، وليس من اللّه خَلَفٌ في غيره» . ثم أمَرَه بأن يصلّي الصلاةَ لوقتها ؛ أي في وقتها ، ونهاه أن يحمِلَه الفراغُ من الشّغل على أن يُعجِّلها قبل وقتها ، فإنها تكون غيرَ مقبولة ، أو أن يَحمِله الشّغل على تأخيرها عن وقتها فيَأثم . قولُه : «واعلم أنّ كل شيء من عملك تَبعٌ لصلاتك» ، فيه شَبَهٌ من قول رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم: «الصّلاةُ عِماد الإيمان ، ومن تَرَكَها فقد هَدَم الإيمان» . وقال صلى الله عليه و آله وسلم : «أوّل ما يحاسَب به العبدُ صَلاته ، فإن سُهّل عليه كان ما بعدَه أسهَل ، وإن اشتدّ عليه كان ما بعدَه أشدّ » .