تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٨٨
.ومن عهد له عليه السلام إلى بعض عماله وقد بعثه على النَّاس خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَبُؤْسَى لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اللّه ِ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ ، وَالْغَارِمُونَ وَابْنُ السَّبِيلِ! وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالْأَمَانَةِ ، وَرَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ ، وَلَمْ يُنَزِّهَ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا ، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّلَّ وَالْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ فِي الاْخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْزَى ؛ وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ ، وَأَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُّ الْأَئِمَّةِ ، وَالسَّلاَم .
الشّرْحُ:
حيث لا شهيد ولا وكيلَ دونَه ، يعني يومَ القيامة . قوله : «ألاّ يعمل بشيء من طاعة اللّه فيما ظهر» ، أي لا يُنافق فيَعمَل الطاعة في الظاهر ، والمعصية في الباطن . ثم ذكر أن الذين يتجنّبون النِّفاق والرِّياء هم الُمخلِصون . وألاّ يجْبَهَهم : لا يواجِههُم بما يَكرهونه ، وأصل الجَبْهِ لقاءُ الجَبْهة أو ضَرْبُها ، فلمّا كان المواجِه غيرَه بالكلام القبيح كالضّارب جَبهتَه به سُمِّي بذلك جَبْهاً . «ولا يعضههم» ، أي لا يرْمِيهم بالبُهْتان والكَذِب ، وهي العَضِيهة ، وعَضِهتُ فلانا عَضْهاً ، وقد عَضِهتَ يا فلان ، أي جئتَ بالبهتان . «ولا يرغب عنهم تفضّلاً» ، يقول : لا يحقِرهم ادّعاءً لفضله عليهم ، وتمييزه عنهم بالولاية والإمرة ؛ يقال : فلان يرغَب عن القوم ، أي يأنف من الانتماء إليهم ، أو من المخالطة لهم . ثم قال : إنّ أربابَ الأموال الّذين تجب الصدقةُ عليهم في أموالهم إخوانُك في الدِّين ، وأعوانُك على استخراج الحقوق ؛ لأنَّ الحق إنما يمكن العامل استيفاؤه بمعاونة ربِّ المال واعترافه به ، ودفعه إليه ، فإذا كانوا بهذه الصِّفة لم يجُزْ لك عَضْهُهم وجَبْهُهم وادّعاءُ الفضل عليهم . ثم ذكر أنّ لهذا العامل نصيبا مفروضا من الصدقة ، وذلك بنصّ الكتاب العزيز ، فكما نوفِّيك نحن حقّكَ يجب عليك أن توفِّيَ شركاءَك حقوقَهم ، وهم الفقراءُ والمساكين والغارمون وسائرُ الأصناف المذكورة في القرآن . وانتصب «أهلَ مَسْكنة» ؛ لأنّه صفة «شركاء» ، وفي التّحقيق أنَّ «شركاء» صفةٌ أيضا موصوفُها محذوف ، فيكون صفةً بعد صفة . وقال أيضا : بؤسى ، أي عذابا وشدَّة ، فظنَّه منوََّّنا وليس كذلك ، بل هو بُؤْسَى على وزن «فُعْلَى» كفُضْلَى ونُعمَى ، وهي لفظة مؤنَّثة ؛ يقال : بؤسى لفلان ، قال الشاعر :