تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٨٦
ثم أمره أن يسألهم : هل في أموالهم حقٌّ للّه تعالى يعني الزّكَاة ؟ فإن قالوا : لا ، فلينصرف عنهم ؛ لأنّ القولَ قول ربِّ المال ، فلعلّه قد أخرج الزكَاة قبل وصول المصدق إليه . قولُه : « أنعَم لك » ، أي قال : نعم . ولا تعسِفْه ، أي لا تطلب منه الصّدقة عَسْفاً ، وأصلُه الأخذ عَلَى غير الطريق . ولا تُرهِقه : لا تكلِّفه العسرَ والمشقّة . ثم أمَرَه أن يَقبِض ما يدفع إليه من الذّهب والفضّة ، وهذا يدلّ عَلَى أن المصدّق كَان يأخذ العَيْنَ والوَرِق كما يأخذ الماشية ، وأن النّصاب في العَيْن والوَرِق تُدفع زكاتُه إلى الإمام ونوّابه ، وفي هذه المسألة اختلافٌ بين الفقهاء . قوله : «فإنّ أكثرها له» ، كلامٌ لا مَزيدَ عليه في الفصاحة والرِّئاسة والدِّين ؛ وذلك لأنّ الصدقة المستَحقّة جزءٌ يسيرٌ من النِّصاب ، والشَّريك إذا كان له الأكثر حَرُم عليه أن يدخل ويتصرّف إلاّ بإذنِ شريكهِ ، فكيف إذا كَان له الأقلّ . قوله : «فلا تَدخُلها دخولَ متسلِّط عليه» ، قد علم عليه السلام أن الظّلم من طَبْع الوُلاة ، وخصوصا من يتولّى قبضَ الماشية من أربابها عَلَى وجه الصَّدقة ، فإنّهم يدخلونها دخولَ متسلِّط حاكم قاهر ، ولا يَبقى لربّ المال فيها تصرُّف ، فنَهَى عليه السلام عن مِثل ذلك . قوله : «ولا تنفِرنّ بهيمةً ، ولا تُفَزِعَنَّها» ، وذلك أنّهم عَلَى عادة السّوء يُهَجْهجون بالقَطيع حتى تنفِر الإبل ، وكذلك بالشّاء إظهارا للقوّة والقهر ، وليتمكّن أعوانُهم من اختيار الجيّد ، ورَفْض الرديء . «ولا تسوءَنّ صاحبَها فيها» ، أي لا تغمّوه ولا تُحزنوه ، يقال : سؤته في كذا سَوائيةً ومَسائيةً . «واصْدَع المال صدعين ثُمَّ خيِّره» ، أي شقّه نصفين ثم خَيّره ، فإذا اختار أحد النّصفين فلا تَعرِضنّ لما اختار ، ثم اصدع النصف الّذي ما ارتضاه لنفسه صَدْعين وخيِّره ، ثم لا تزال تفعل هكذا حتى تُبقِيَ من المال بمقدار الحقّ الَّذي عليه ، فاقبِضه منه ، فإن استَقالك فأقلهُ ، ثم اخلط المال ، ثم عُدْ لمثل ما صنعتَ حتى يرضى ، وينبغي أن يكون المعِيبات الخمس وهي المَهْلوسة والمكْسورة وأخواتهما يخرجها المصدّق من أصل المال قبل قِسْمته ثم يقسم وإلاّ فربَّما وقعتْ في سهم المصدّق إذا كان يعتمد ما أمره به من صدع المال مرّة بعد مرّة . والعوْد : المُسِنّ من الإبل ، والهرمة المسِنّة أيضا ، والمكسورة الّتي أحد قوائمها مكسورة العظم أو ظهرها مكسورة ، والمهْلوسة : المريضة قد هَلَسها المرض وأفَنى لحمها ، والهُلاس : السلّ . والعَوار ، بفتح العين : العَيْب ، وقد جاء بالضّم . والمعنِّف : ذو العُنْف بالضم وهو ضِدّ الرِّفْق . والُمجحِف : الذي يسوق المال سوْقا عنيفا فيجحف به أي يهلكه أو يذهب كثيرا من