تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٥٤
الشّرْحُ:
قوله عليه السلام : «فاحمل معاوية على الفَصْل» ، أي لا تتركه متلكّئا متردّدا ، يُطْمِعُك تارة ويؤيسك أُخرى ، بل احمله على أمر فَيْصَلٍ ، إمّا البَيْعة ، أو أن يأذَن بالحرب . وكذلك قوله : « وخذه بالأمر الجزم» ، أي الأمر المقطوع به ، لا تكنْ ممّن يُقدِّم رِجْلاً ويؤخِّر أُخرى ، وأصل الجزْم القطع . وحرب مُجْلِيَة : تَجْلِي المقهورين فيها عن ديارهم ، أي تُخرِجهم . وسِلْم مخزية ، أي فاضحة ؛ وإنما جعلها مخزية لأنّ معاوية امتنع أولا من البَيْعة ؛ فإذا دخل في السلّمْ فإنما يدخل فيها بالبيعة ، وإذا بايع بعد الامتناع ؛ فقد دخل تحت الهَضْم ورَضيَ بالضَّيم ؛ وذلك هو الخِزْي . قوله «فانبذ إليه» من قوله تعالى : «فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَواءٍ» [١] وأصله العهد والهدنة وعقد الحِلف يكون بين الرجلين أو بين القبيلتين ، ثم يبدو لهما في ذلك فينتقلان إلى الحرب فينبذ أحدُهما إلى الآخر عهده ، كأنه كتاب مكتوب بينهما قد نبذه أحدُهما يوم الحرب وأبطله ، فاستعير ذلك للمجاهرة بالعداوة والمكاشفة ، ونسخ شريعة السلام السابقة بالحرب المعاقبة لها .
٩
الأصْلُ:
.ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا ، وَاجْتِيَاحَ أَصْلِنَا ، وَهَمُّوا بِنَا الْهُمُومَ ، وَفَعَلُوا بِنَا الْأَفَاعِيلَ ، وَمَنَعُونَا الْعَذْبَ ، وَأَحْلَسُونَا الْخَوْفَ ، وَاضْطَرُّونَا إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ ، وَأَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْحَرْبِ . فَعَزَمَ اللّه ُ لَنَا عَلَى الذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ ، وَالرَّمْيِ مِنْ وَرَاءِ حَوْمَتِهِ ، مُؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذلِكَ الْأَجْرَ ، وَكَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الْأَصْلِ ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْش خِلْوٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ
[١] سورة الأنفال ٥٨ .