تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٢٩
. الْأَحْزَابَ . ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه و آله وسلم : يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ ، إِنْ كُنْتِ تُؤمِنِينَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ ، وَتَعْلَمِينَ أَ نِّي رَسُولُ اللّهِ ، فَانْقَلِعِي بعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللّهِ ؛ وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لاَنْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا ، وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ ، وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ ؛ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم ، مُرَفْرِفَةً ، وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم ، وَبِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي ، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ صلى الله عليه و آله وسلم ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذلِكَ قَالُوا ـ عُلُوّاً وَاسْتِكْبَاراً ـ : فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا ؛ وَيَبْقَى نِصْفُهَا ، فَأَمَرَهَا بِذلِكَ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وَأَشَدِّهِ دَوِيّاً ، فَكَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم ، فَقَالُوا ـ كُفْراً وَعُتُوّاً ـ : فَمُرْ هذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ . فَأَمَرَهُ صلى الله عليه و آله وسلم فَرَجَعَ ؛ فَقُلْتُ أَنَا : لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ ؛ إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللّهِ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بَأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللّهِ تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ ؛ وإِجْلاَلاً لِكَلِمَتِكَ . فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ : بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ، عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ ، وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلاَّ مِثْلُ هذَا ! يَعْنُونَنِي ؛ وَإِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لاَ تَأْخُذُهُمْ فِي اللّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ ، سِيَماهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ ، وَكَلاَمُهُمْ كَلاَمُ الْأَبْرَارِ ؛ عُمَّارُ اللَّيْلِ ، وَمَنَارُ النَّهَارِ ، مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ ، يُحْيُونَ سُنَنَ اللّهِ وسُنَنَ رَسُولِهِ ، لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَلاَ يَعْلُونَ ؛ وَلاَ يَغُلُّونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ ، قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ ، وَأَجْسَادُهُمْ فِي الْعَمَلِ !
الشّرْحُ:
الملأ الجماعة . ولا تفيئون : لا ترجعون . ومن يُطْرح في القَليب ، كُعتْبة وشَيْبة ابني ربيعة ابن عبد شمس وعمرو بن هشام بن المغيرة ، المكنّى أبا جهل وغيرهم ، طُرِحوا في قَليب بدْربَعد انقضاء الحرْب ، ومن يحزّب الأحزاب ، أبو سفيان صخر بن حرب بن أُميّة . والقَصْف والقصيف : الصوت . وسيماهم : علامتهم ، ومثله «سيمياء» . ومعنى قوله عليه السلام : «قلوبهم في الجنان ، وأجسادهم في العمل» ، أنّ قلوبهم ملتذّة بمعرفة اللّه تعالى وأجسادهم نصِبة بالعبادةِ .