تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٢٦
. الْبَغْيِ ؛ وَلَئِنْ أَذِنَ اللّهُ فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ ، لَأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلاَّ مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلاَدِ تَشَذُّراً .
الشّرْحُ:
قد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم أنه قال له عليه السلام : «ستقاتلُ بعدِي النَّاكِثين والقاسطين والمارقين» ، فكان النّاكثون أصحابَ الجمل ، لأنّهم نكثوا بيعته عليه السلام ، وكان القاسطون أهلَ الشام بصفّين ، وكان المارقون الخوارج في النَّهروان ، وفي الفرق الثلاث قال اللّه تعالى : «فَمَنْ نَكَثَ فإنَّما يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ» [١] ، وقال : «وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكانُوا لجَهنَّمَ حَطَبا» [٢] ، وقال النبي صلى الله عليه و آله وسلم : «يخْرج من ضئْضِئ هذا قوم يمرُقون من الدين كما يمرق السَّهْم من الرميّة ، ينظر أحدكم في النَّصل فلا يجد شيئا ، فينظر في الفُوق [٣] ، فلا يجد شيئا ، سبق الفرث والدم» . وهذا الخبر من أعلام نبوّته صلى الله عليه و آله وسلم ومن أخباره المفصلة بالغيوب . وأمّا شيطانُ الرَّدْهة ، فقد قال قوم : إنّه ذُو الثُّدَيَّة صاحب النَّهروان ، وروَوْا في ذلك خبراً عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ، وممّن ذكر ذلك واختاره الجوْهريّ صاحب « الصحاح» [٤] وهؤلاء يقولون : إن ذا الثُدَيَّة لم يقتَلْ بسيف ، ولكنّ اللّه رماه يوم النّهروان بصاعِقة ، وإليها أشار عليه السلام بقوله : «فقد كُفِيته بصَعْقة سمُعت لها وَجْبَة قلبه » ، والرَّدْهة : شبه نُقْرة في الجَبَل يجتمع فيها الماء ، وهذا مثل قوله عليه السلام : «هذا أزبّ العقبة» ، أيْ شيطانُها ، ولعلّ أزبّ العَقَبة هو شيطان الردْهة بعينه ، فتارة يردُ بهذا اللّفظ ، وتارة يردُ بذلك اللفظ . قوله : «ويتشذّر في أطراف الأرض» ، يتمزّق ويتبدّد ، ومنه قولهم : ذهبوا شَذَرَ مَذَر . والبقيّة التي بقيَتْ من أهل البغي : مُعاوية وأصحابه ؛ لأنّه عليه السلام لم يكن أتى عليهم بأجمعهم ، وإنما وقفت الحربُ بينه وبينهم بمكيدة التحكيم . «ولئن أذنَ اللّه في الكَرَّة عليهم» ، أي إن مُدّ لي في العمر لأديلنّ منهم ، أي لتكونن الدَّوْلة لي عليهم ، أدلت من فلان أي غلبته وقهرته ، وصرت ذَا دولةٍ عليه .
[١] سورة الفتح ١٠ .[٢] سورة الجن ١٥ .[٣] الفوق : مشق رأس السهم حيث يقع الوتر .[٤] الصحاح ٨ : ٢٢٣٢ .