تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٠٨
. فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللّهِ وَصَوْلاَتِهِ ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثُلاَتِهِ ، وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ ، وَمصَارِعِ جُنُوبِهِمْ ، وَاسْتَعِيذُوا بِاللّهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكِبْرِ ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ .
الشّرْحُ:
أمعنتُم في البغي : بالغتم فيه ، من أمعن في الأرض ، أي ذهب فيها بعيدا . ومصارحة للّه ، أي مكاشفة . والمناصبة : المعاداة . وملاقح الشنآن ، أن ملاقح هاهنا جمع مَلْقح وهو المصدر ، من لَقَحت كضربت مضرباً وشربت مشربا . ويجوز فتح النون من الشنآن وتسكينها ؛ وهو البغض . ومنافخ الشيطان : جمع مَنْفَخ ، وهو مصدر أيضا ، من نفخ ، ونَفْخ الشيطان ونَفْثه واحد ، وهو وسوسته وتسويله ، ويقال للمتطاول إلى ما ليس له : قد نفخ الشيطان فيأنفه . قوله : وأعنقوا : أصرعوا ، وفرس مِعْناق ، والسَّيْر العَنَق . والحنادس : الظلَم . والمهاوي : جمع مَهْواة بالفتح ؛ وهي الهُوَّة يتردّى الصيد فيها ، وقد تهاوَى الصَّيْد في المهواة ، إذا سقط بعضه في أثر بعض . قوله عليه السلام : «ذللاً عن سياقه» ، انتصب على الحال ، جمع ذَلُول ، وهو السهل المقادة ، وهو حال من الضمير في «أعنقوا» ، أي أسرعوا منقادين لسوْقه إياهم . وسُلُساً : جمع سَلِس ، وهو السَّهْل أيضاً . قوله عليه السلام : «أمرا» منصوب بتقدير فعل ، أي اعتمدوا أمرا ، «وكبرا» ، معطوف عليه ، أو ينصب «كبراً» على المصدر بأن يكون اسما واقعا موقعه ، كالعطاء موضع الإعطاء . قوله عليه السلام : «تشابهت القلوب فيه» ، أي أنّ الحمية والفخر والكبر والعصبيّة ما زالت القلوب متشابهة متماثلة فيها . وتتابعت القُرون عليه : جمع قَرْن بالفَتْح ؛وهي الأُمّة من الناس . وكِبْراً تضايقت الصدور به ، أي كبر في الصدور حتى امتلأت به وضاقت عنه لكثرته . ثم أمر بالحذر من طاعة الرؤساء أرباب الحمية ، وفيه إشارة إلى قوله تعالى : «إنَّا أطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَراءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ» [١] . وقد كان أمَرَ في الفصل الأوّل بالتّواضع للّه ، ونهى
[١] سورة الأحزاب ٦٧ .